تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وجاء في النصّ الذي في سورة ( طه / 20 مصحف / 45 نزول ) في معرض الحديث عن آدم وقصّته :
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى .
( 120 ) فجاء في هذه الآية استخدام حرف « إلى » بدل حرف « اللّام » المستخدم في النصّ الذي من ( الأعراف ) وجاء فيها أيضا الحديث عن آدم وحده منفردا عن زوجته . فما الحكمة من هذا الإجراء ؟ أقول : دلّ ما جاء في سورة ( طه ) على أنّ الشّيطان لم يوسوس لآدم في أوّل الأمر بصورة مباشرة ، بل كان يتّخذ وسائل بعيدة عن الوسوسة المباشرة ، وهي في آخرها تحدث الوسوسة ، دلّ على هذا استخدام حرف « إلى » المشعر بطول المسافة بين بدء الشيطان بحركته وبين حدوث الوسوسة ، ودلّ عليه أيضا استخدام أسلوب العرض الاستفهاميّ في العبارة الإغرائية :
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
فهي عبارة تثير الشّوق إلى المعرفة ، وليس فيها إشارة ما إلى الشجرة الّتي نهى اللّه عزّ وجلّ عن الاقتراب منها ، وهذا العرض يشعر بأنّ إبليس لا يعلم شيئا عن أنّ اللّه حرّم على آدم وزوجه أن يأكلا من الشجرة ، فدلّ على أنه خالي الذهن تماما من هذا الموضوع ، وهو كاذب ماكر . فما جاء في سورة ( طه ) بيان للمحاولة الأولى من محاولات الشيطان ، تلتها محاولات أخرى في خطوات شيطانيّة تهبط في الدركات . ولمّا أدرك الشّيطان أنّه قد غرس في نفس آدم الرّغبة في الظّفر بالخلد وبملك لا يبلى ، اقترب شيئا فشيئا حتى صار يوسوس لآدم وزوجه بطريقة مباشرة ، دون استخدام وسائل بعيدة ، لقد اتخذ إبليس حيلة التشويق للرّبط ، حتى وقع على المغمز الملائم لصيد الفريسة فأمسك به ، وقد دلّ على هذا
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 135 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني