تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الّذي تدلّ عليه سوابق النّصوص ولواحقها ومفهوماتها العامّة ، هو أنّ طرده قد كان من منازل القرب من اللّه الّتي يحظى بها أهل الملأ الأعلى من الملائكة . والاعتراض بأنّ من دخل الجنّة لا يخرج منها ، اعتراض غير وارد أيضا ، لأنّ النّصوص تثبت أنّ من دخل الجنّة يوم الدّين بعد الحساب ، وفصل القضاء ، وكان دخوله جزاءا على ما قدّم من عمل في الحياة الدّنيا ، هو الذي يكون خالدا فيها ، أمّا من دخلها دخول امتحان واختبار ، أو مكّنه اللّه من دخولها للاطلاع ، أو القيام بعمل من الأعمال المشمولة بخطّة اللّه التكوينيّة العامّة ، ولتحقيق حكمة من حكم اللّه في خلقه ، فإنّه لا خلود له فيها ، ما لم يقض اللّه له بالخلود بقضاء خاصّ . ولهذا أخرج اللّه آدم وحواء من الجنّة لمّا عصيا ، إذ أكلا من الشجرة الّتي حرّم اللّه عليهما الأكل منها . ونتساءل : ما موقع الّلام في عبارة :
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ
مع أنّ فعل « وسوس » لازم لا يتعدّى ، إذ هو بمعنى : أحدث همسا خفيا ، أو صوتا خفيا يتضمّن حديثا . أقول : إنّ فعل « وسوس » ضمّن معنى فعل « سوّل » فعدّي تعديته ، فأغنت العبارة المختصرة عن جملتين ، أي : وسوس وسوّل لهما . التّسويل : التّحسين والتّزيين ، والتّحبيب بالأمر . والإغراء به ، وتهوينه وتسهيله . يقال لغة : سوّل له الشيطان ، أي : حسّن له وزيّن ، وحبّب إليه أن يفعل أو يقول ما فيه معصية للّه عزّ وجلّ . فيكون المعنى : أحدث وسواسا ، بصوت خفيّ ، تضمّن تسويلا لهما ، بتحسين وتزيين الأكل من الشجرة الّتي حرّم اللّه عليهما أن يأكلا منها .