انتصب لفظ « صراط » لتضمين فعل « أقعد » معنى فعل « ألازم » على أنّه مفعول به ، فأغنى هذا التّضمين عن التصريح بجملتين ، إذ الجملة الأولى حذف معمولها ، والجملة الثانية حذف لفظ فعلها ، وضمّن الفعل المذكور معناه ، والتّقدير : لأقعدنّ عند صراطك ، ملازما إيّاه » .
والتّضمين ظاهرة قرآنيّة هي من عناصر إبداعه البياني .
واللّام في :
لَأَقْعُدَنَّ
واقعة في جواب قسم محذوف ، فيكون تقدير الكلام :
فبسبب حكمك عليّ بالغواية ، أقسم لأقعدنّ لإغوائهم ملازما صراطك المستقيم .
أبان إبليس بقعوده معنى التمكّن ، وأضاف إليه معنى الملازمة ، فتمّت له المرابطة بكامل عناصرها .
لم يكن لإبليس أن يعطي العهد على نفسه بهذه المرابطة ، لولا أنّه لاحظ ذرّيّته الأبالسة ، وجنوده من شياطين الجنّ والإنس ، بدليل قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للناس في سورة ( الكهف / 18 مصحف / 69 نزول ) :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا .
( 50 )
وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الشّعراء / 26 مصحف / 47 نزول ) بشأن مصير الغاوين ، والمشركين في الجحيم ، وجنود إبليس أجمعين :
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ .
( 95 )
إنّ المرابطة بتمكّن وملازمة وترصّد ، هي أوّل شروط أعمال الإغراء والإغواء ، للإبعاد والصّرف عن صراط اللّه المستقيم .