تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
*
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ .
( 13 ) لقد أصرّ إبليس على كفره بإلهيّة اللّه له ، الّتي هي اللّازم العقليّ لربوبيّته له ، فاستحقّ الطّرد والإخراج من مواطن الملأ الأعلى من الملائكة ، وجعله من الصّاغرين . وإصدار هذا الحكم الذي تضمّنته هذه الآية يقتضي كلاما مطويا قال اللّه له فيه : كذبت ، فلست خيرا منه ، ولست من العالين ، بل أنت مستكبر بغير حقّ ، جاحد إلهيّة ربّك لك ، متمرّد على طاعته في أمر يخالف هواك ، فأنت كافر ، والفاء الفصيحة في
فَاهْبِطْ
تدلّ على هذا المحذوف المطويّ . *
فَاهْبِطْ مِنْها :
الهبوط : ضدّ الصّعود ، يقال لغة : هبط يهبط هبوطا ، إذا نزل من مكان مرتفع إلى مكان منخفض ، ويستعمل في المادّيّات ، وفي المعنويّات ، كالهبوط إلى المهانة والذّلّة والخسّة .
مِنْها :
أي : من مواطن ومنازل ملائكة الملأ الأعلى ، أي : فاهبط منها هبوطا متواليا إلى أدنى المنازل .
فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها :
أي : فما أنت ممكّن من أن تتكبّر وأن تبقى في مواطن ومنازل ملائكة الملأ الأعلى ، وبما أنّك تكبّرت بغير حقّ فاهبط منها ، فما يكون لك حرّيّة أن ترتع في منازل الملائكة وتكون فيها من المتكبّرين ، إنّها منازل الّذين لا يستكبرون عن عبادة ربّهم . *
فَاخْرُجْ :
هذا حكم متمّم للأمر بالهبوط ، لأنّ الإهباط لا يستلزم الإخراج الكلّيّ ، فجاء الأمر بالخروج الكلّيّ بعد الأمر بالهبوط متمّما للحكم الصادر ضدّه بالطّرد الكلّيّ واللّعن . وقد يفيد الأمر بالخروج ، الخروج من كلّ منازل الملائكة في السّماء ، ولو لم يكونوا من أهل الملأ الأعلى ، أي : فإذا بلغت في هبوطك إلى أدنى الحدود فأخرج منها خروجا كليا .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 117 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني