الفرية الأولى : أنّ من كان مخلوقا من عنصر أو عناصر أشرف ، كان هو أشرف دواما ، ولو ظهرت منه بعد خلقه قبائح ومنكرات وأشياء خسيسة ، لم تظهر ممّن كان مخلوقا من عناصر أقلّ قيمة من عناصره التي خلق هو منها ، ولو ظهرت منه بعد خلقه فضائل ومزايا ومحاسن عظيمة ، لم يأت بمثلها ذو العنصر الأشرف .
وهذه الفرية هي أساس الاستعلاء والاستكبار بالأعراق والأصول ، القائم على ادّعاء التّفاضل العرقيّ الذي يسري إلى الفروع ، وفروع الفروع ، ولو فسدت ونجم عنها ضرّ كبير ، وشر مستطير .
الفرية الثانية : أنّ عنصر النّار أشرف من عنصر الطّين ، وهذا ادّعاء توهّميّ باطل .
فالنار ذات نفع بحرارتها . لإنضاجها الأشياء ، واستخدامها في منافع كثيرة ، وذات ضرر عظيم وخطر جسيم ، حينما تحرق وتتلف وتهلك .
والطّين ذو نفع عظيم جدّا حينما يكون عنصرا لإنبات الزروع والثمار ، وسائر نباتات الأرض النافعات للأحياء في غذائهم ، ودوائهم ، ومصالح حياتهم الكثيرة ، وحينما يكون بيئة صالحة لإمداد الأشجار الباسقات ، حتّى تكون جنّات وارفات الظلال .
والطين لا يعطي عطاءه العظيم حتّى يأخذ حظّه من الحرارة الناريّة بالمقادير المحدّدة في سنن التكوين الرّبّانيّة .
ومع حاجة كلّ من النّار والطين إلى العنصر الآخر منهما للتّزاوج ، في تشارك تكامليّ ، فإنّ النسبة النفعيّة الّتي تستفاد من الطين أكثر من النسبة النفعيّة الّتي تستفاد من النار ، ومع هذا فلا يصحّ اعتبار عنصر الطّين أشرف من عنصر النار ، ولا العكس ، لأنّ كلّا منهما في سنن اللّه التكوينيّة لا يتحقّق الانتفاع به إلّا إذا امتزج بالآخر أو اتّحد به ، ضمن المقادير النافعة غير الضارّة .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 114
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١١٤