وبالتضمين الإيجازيّ البديع ، جاءت العبارة :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
واختصارا في التقدير نقول : ما منعك فحملك على ألّا تسجد ، ولا مانع من تقدير فعل نظير فعل « حمل » كفعل « دعا » مما ينسجم مع عبارة « ألّا تسجد » . بهذه العبارة أبان اللّه تعالى أنه سأل إبليس عن المانع له من السّجود ، وعن الحامل له على عدم السّجود ، واعتبار « لا » زائدة لا يستقيم مع كمال الإعجاز القرآني .
إِذْ أَمَرْتُكَ :
أي : وقت أمري إيّاك بالسّجود مع من أمرت من ملائكة الملأ الأعلى ، الّذين دخلت فيهم ، واعتبرت نفسك واحدا منهم ، فأبان اللّه عزّ وجلّ في هذه الجلسة لإبليس بهذا السؤال مخالفته لواجب طاعة العباد لربهم فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه ، بمقتضى أنّه إلههم الذي يجب عليهم أن يعبدوه ، ومن عبادتهم الأولى له بعد الاعتراف له بربوبيّته وإلهيّته ، أن يطيعوه في أوامره ونواهيه ، لكنّ إبليس لم يعتذر بأنّه لم يكن يعلم أنّ أمر اللّه موجّه له ضمن من هو معهم من الملائكة ، بل أصرّ على عناده ، ولم يراجع نفسه ، وأعلن بهذا الإصرار أنّه غير مؤمن بإلهيّة اللّه له ، وأنّه معترض على أمر اللّه له بالسّجود لآدم ، ولهذا الاعتراض لوازم كفريّة متعدّدة .
فبماذا أجاب إبليس ربّه ؟
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ .
( 12 )
أي : لم يكن أمرك لي بالسّجود لآدم أمرا حكيما ، وليس من حقّك أن تكلّفني أن أحترم بالسّجود من هو أدنى منّي في العناصر الّتي خلقته منها ، فطبيعة النّار الّتي خلقتني منها ، أشرف من طبيعة الطّين الّتي خلقت آدم منها .
هذا الادّعاء من إبليس قائم على فريتين ، قاعدتهما التوهّم الباطل ، ودافعهما الكبر وحبّ الاستعلاء ولو بغير حقّ .