تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
كان مندسا فيهم وملتحقا بهم وهو ليس من نوعهم ، قد كان بعد مدّة متراخية من الزمن ، واللّه أعلم بمقدارها . ودلّت نصوص قرآنية أخرى ، على أنّ اللّه جلّ جلاله قد نفخ في آدم الرّوح بعد أن أتمّ خلقه وتصويره ، ثمّ علّمه الأسماء كلّها ، ثمّ أجرى المباراة بينه وبين الملائكة حول معرفة الأسماء ، فتفوّق آدم عليهم بالعلم الّذي آتاه اللّه إيّاه وآتاه وسائل الوصول إلى معارف عن طريق الاستدلال العقليّ ، متجاوزا بها المدركات الحسّيّة ، ثمّ أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم ، وكلّ ذلك قد كان في مراحل متفاصلة .
إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ،
دل قول اللّه تعالى :
إِلَّا إِبْلِيسَ
على أنّ في العبارة الّتي اشتملت على المستثنى منه محذوفا ، ويمكن تقديره مع لوازمه الفكريّة كما يلي : ثم قلنا للملائكة ولمن كان معهم مندسا فيهم ولاحقا بهم من الجنّ ، الّذين كانوا ممكّنين من ذلك قبل بعثة محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، فأجسامهم لطيفة قابلة للتّشكّل كأجساد الملائكة ، ومنهم جنّ طيارون كالملائكة قادرون على الصعود إلى السماوات ، إلّا أنّ الملائكة مخلوقون من النور ، ولا يعصون اللّه ما أمرهم بالفطرة ، أمّا الجنّ فمخلوقون من النار ، ولديهم إرادات حرّة ، وهم قد يؤمنون ويسلمون فيطيعون ، وقد يكفرون فيرفضون الإيمان والإسلام والطاعة ، بإرادات حرّة غير مجبورة . والاستثناء على هذا هو من قبيل الاستثناء المتّصل ، ويكون التكليف ابتداء موجّها للملائكة ، وقد ألحق اللّه بهم من كان معهم مندسا في صفوفهم ، وليس هو من نوعهم ، فكشفه الامتحان . وقد أثبت القرآن المجيد أنّ إبليس كان من الجنّ ففسق خارجا عن أمر ربّه ، وعن واجب طاعته ، في توجيه الأمر له بالسّجود لآدم ، ولا يصحّ