تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
المعنى الأول : التقدير ، أي : تحديد مقادير كلّ شيء يراد إيجاده . المعنى الثاني : الإبداع على غير مثال سبق ، إيجادا من العدم الكلّي ، أو إيجادا من موادّ موجودة ، بإعطائها صفات بالتركيب والتقدير والتصوير ، لم يكن لها وجود فيها وهي عناصر وأجزاء متناثرة . وهذا المعنى الثاني يدخل فيه المعنى الأوّل ، إذ لا يكون إبداع لشيء مركّب من عناصر ، دون تحديد مقادير أجزائه بإحكام ، لقليلها وكثيرها ، صغيرها وكبيرها . فالمعنى : ولقد قدّرنا تكوينكم الشّامل لكلّ العناصر صغيرها وكبيرها ، قليلها وكثيرها ، والّتي يتكوّن منها مجتمعة في نسق متكامل هذا المركّب الإنسانيّ ، بكلّ صفاته وخصائصه النفسيّة والجسديّة ، المادّيّة والمعنويّة ، وهذه العمليّة الّتي اشتملت على تحديد مقادير العناصر في مواقعها من البناء الكلّي ، قد كانت إبداعا على غير مثال سبق .
ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ :
أي : ثمّ بعد الخلق التقديريّ الإبداعيّ صوّرناكم . تصوير الشئ : جعله في صورة وهيئة خاصّة يتميّز بها عن غيره ، وهذه الصورة تدرك بالحسّ الظاهر . دلّ قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للناس جميعا :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
على أنّه تبارك وتعالى قد خلق آدم وخلق جميع ذرّيّاته في ظهره ، ثمّ صوّرهم ، قبل أن يأمر ملائكة الملأ الأعلى بالسّجود لآدم ، إذ جاء العطف بقوله تعالى :
ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ .
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ أنّه صوّر آدم وزوجه وذرّياتهما فأحسن صورهم ، أي : جعلها في صور حسنة جميلة ، فقال تبارك وتعالى في سورة ( غافر / 40 مصحف / 60 نزول ) خطابا للناس :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ . . . .
( 64 )