فأبان اللّه في هذه الجلسة لإبليس بهذا السؤال مخالفته لواجب طاعة العباد لربّهم ، بمقتضى أنّه إلههم الّذي يجب عليهم أن يعبدوه ، ومن عبادتهم الأولى له بعد الاعتراف له بربوبيّته وإلهيّته ، أن يطيعوه ، فيفعلوا ما أمرهم به ، وينتهوا عمّا نهاهم عنه .
لكنّ إبليس لم يعتذر بأنّه لم يكن يعلم أنّ أمر اللّه موجّه له ضمن من هو معهم من الملائكة ، بل أصرّ على عناده ولزم موقفه الأوّل ، ولم يراجع نفسه ، وأعلن بهذا الإصرار أنّه غير مؤمن بإلهيّة اللّه له ، وأنّه معترض على أمر اللّه له بالسّجود لآدم ، ويراه أمرا غير حكيم ، ويرى أنّه ليس من حقّ الرّبّ أن يوجّه لعباده المملوكين له مثل هذا الأمر .
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
( 12 ) .
عندئذ كان لا بدّ من إصدار الحكم الختاميّ عليه في هذه الجلسة الثالثة ، فأمره اللّه عزّ وجلّ بأن يهبط هبوط مهانة وذلّ وصغار ، ولم يقتصر الأمر على الإخراج فقط ، كما حصل في الجلستين الأولى والثانية ، بل جاء الأمر له بالهبوط والإخراج ، مع الحكم عليه بالصّغار .
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ
( 13 ) .
الهبوط : النزول من أعلى إلى أسفل . ويقال : هبط فلان ، أي : ذلّ واتّضع وسقط .
الصّاغر : الراضي بالذّلّ والضّعة والمهانة ، يقال لغة : صغر يصغر صغارا فهو صاغر ، أي : رضي بالذّل والضّعة .
فكرّر إبليس بوقاحة طلبه من ربّه أن يمهله حيّا إلى يوم يبعثون .
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
( 14 ) .
ولم يدع اللّه ربّه في هذه الجلسة معلنا اعترافه بأنّه ربّه ، ومتذلّلّا له