ذكر مرحلة الحمأ ، وهو الطين الأسود المنتن ، تخفيفا ممّا يشعر بأنفته .
وأمام هذا الإصرار العناديّ الاستكباريّ كان لا بدّ من إعادة إصدار الحكم عليه بالإخراج من منازل الملأ الأعلى من الملائكة ، والرّجم للطّرد والإبعاد ، مع إضافة أنّ اللّعنة المنصبّة عليه هي لعنة اللّه .
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 77 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ
( 78 ) .
أي : قال اللّه عزّ وجلّ لإبليس : لزمت موقفك ولم تعترف بذنبك فأخرج منها فإنّك رجيم .
وكانت العبارة في الجلسة الأولى :
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
( 35 ) فجاء التشديد في الجلسة الثّانية فقال اللّه له :
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ
( 78 ) .
فاللّعنة الصّادرة عن اللّه العزيز الجبّار ، والمنصبّة على إبليس ، أشدّ من عموم الحكم عليه باللّعنة ، لاحتمال أن تكون تكليفا من اللّه للملائكة بأن يلعنوه ، دون أن تنصبّ عليه لعنة اللّه .
وكرّر إبليس طلبه من ربّه أن يمهله حيّا إلى يوم يبعثون ، طامعا في أن يستجيب اللّه عزّ وجلّ طلبه ، فيمهله إلى يوم البعث ، وكان قد استوثق من ربّه بأنه سيمهله إلى ساعة إنهاء ظروف الحياة الدّنيا ، وإماتة كلّ ذي حياة فيها .
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
( 79 ) :
أي : قال إبليس : ربّ بما أنّك حكمت عليّ للمرّة الثانية بالإخراج والرّجم وأنزلت عليّ لعنتك ، فأمهلني حيّا إلى يوم البعث .
لكنّ اللّه جلّ جلاله ، وعظم سلطانه ، وبلغت حكمته الغاية ، لم يعطه من الإمهال أكثر ممّا كان أعطاه في الجلسة الأولى ، فأعاد له نصّ حكمه السابق .