بالعبوديّة ، بل قال :
أَنْظِرْنِي
أمّا في الجلستين السّابقتين فقد قال فيهما :
رَبِّ فَأَنْظِرْنِي . *
لقد بلغ به العناد والاستكبار والحران إلى أن يسأل اللّه ربّه دون أن يقول له : ربّ .
فاكتفى اللّه عزّ وجلّ في جوابه بعبارة : « إنّك من المنظرين » أي : إنّك واحد من المنظرين ، كما سبق أن قضينا لك ، دلّت على هذا عبارة :
قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
( 15 ) .
وبعد أن انتهت جلسات محاكمة اللّه عزّ وجلّ لإبليس الثلاث ، أعلن إبليس لربّه خطّته الّتي رسمها للإغواء :
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
( 17 ) .
فَبِما أَغْوَيْتَنِي :
أي : فبسبب حكمك القطعي عليّ بالغواية ، وهي الإمعان في الضلال والبعد عن صراط الحقّ والهدى ، والخيبة والفساد وترك سبيل الرشاد عن قصد وتعمّد ، اتّباعا للهوى ونوازع النفس الطاغية .
. . لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
( 16 ) : أي : أقسم لأقعدنّ لإغوائهم ملازما صراطك المستقيم الذي ستبيّنه لهم ، وتأمرهم أن يسلكوه ويلتزموا حدوده .
ضمّن فعل « أقعد » معنى فعل « ألازم » فعدّي تعديته ، فانتصب لفظ « صراط » على أنه مفعول به ، فأغنت الجملة الواحدة عن جملتين ، والمعنى :
لأقعدنّ لهم ملازما صراطك المستقيم .
فأبان بالقعود معنى التمكّن ، وأضاف إليه بالتعدية معنى الملازمة ، فتمّت المرابطة كاملة العناصر .
وهذا العزم الخبيث الذي أعلنه إبليس ، قد قدّمه ملاحظا فيه ذرّيّته من