مبذورة قد نبت زرعها ، فأكلت ما أكلت من الزرع وأفسدت سائره .
فترافع الخصمان بقضيّتهما إلى داود عليه السّلام ، وتحقّق من وقوع الحادثة ، ويظهر أنّه رأى أنّ قيمة الغنم تساوي قيمة ما أكلت وأفسدت من الزّرع ، فحكم بدفع الغنم كلّها لأصحاب الزّرع تعويضا لهم ، بسبب أنّ أصحاب الغنم تركوا غنمهم ليلا دون حماية ولا رعاية ، حتّى اعتدت على زرع أصحاب الحرث ، فأكلت وأفسدت .
وعلم سليمان عليه السّلام بحكم أبيه وكان فتى يافعا ملهما ذا فهم وحكمة ، فقال لأبيه : أرى أن يكون القضاء غير الّذي قضيت ، فقال داود :
كيف ؟ .
قال سليمان : إنّ الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كلّ عام ، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها ، حتى يستوفي ثمن الحرث ، فإنّ الغنم لها نسل في كلّ عام .
وجاء في رواية أخرى أنّ سليمان قال : تدفع الغنم لأهل الزّرع ، يستثمرون ألبانها وأصوافها وأولادها ، وتدفع الأرض لأهل الغنم يبذرون لأهل الحرث مثل حرثهم ، فإذا بلغ الحرث الّذي كان عليه أخذ أصحاب الحرث حرثهم ، وردّوا الغنم إلى أصحابها .
فقال داود لابنه سليمان : قد أصبت ، القضاء كما قضيت ، فألغى داود قضاءه الأوّل ، وحكم بما قضى به ابنه سليمان ، ولم يجد في نفسه غضاضة أن يرجع إلى ما هو الأقرب إلى كمال العدل ، على الرغم من حداثة سنّ ولده سليمان .
*
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ . . . :
أي : ونذكر قصّة داود وسليمان إذ يحكمان في قضيّة الحرث . .