وهكذا ظهر لنا أن عناصر هذا النصّ من سورة ( سبأ / 34 مصحف / 58 نزول ) عناصر مضافة كلّها إلى ما سبق إنزاله بشأن داود عليه السّلام .
فمن حكمة اللّه في تعدّد النّصوص تجزئة الأفكار ، وتقديم كلّ فكرة منها في المناسبة الداعية إلى ذكرها ، مع تكاملها فيما بينها .
النصّ السادس :
قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) :
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ
( 80 ) ؟ .
يشتمل هذا النصّ على ثلاث قضايا :
القضية الأولى : حكم داود عليه السّلام في حادثة تعدّ من غنم بعض القوم على حرث آخرين فأفسدته كلّه ، فعلم ابنه سليمان عليه السّلام بحكم أبيه ، فرأى رأيا آخر ، فأقرّه أبوه عليه ، ورجع عن حكمه .
القضية الثانية : بيان تسخير اللّه عزّ وجلّ الجبال والطّير مع داود عليه السّلام ، بقضاء سابق ، وتنفيذ لاحق .
القضيّة الثالثة : امتنان اللّه على الناس بتعليمه داود صناعة الدّروع الواقيات في الحرب ، من السيوف والرّماح والسّهام ونحوها ، وهذا العلم قد أخذه النّاس عنه ، فانتفعوا به ، فوجب عليهم أن يشكروا اللّه عليه .
* أمّا القضيّة الأولى ، فقصّتّها جمعا ممّا روى الطبريّ بأسانيده عن ابن مسعود وابن عباس ، في روايات متعدّدات ، أنّ أصحاب غنم تركوا غنمهم ليلا دون حراسة ولا رعاية ، فدخلت هذه الغنم في أرض محروثة