يعظّم نفسه بغير حقّ ، ويريد أن يجعلها في مرتبة أعلى من مرتبة الملائكة الّذين أطاعوا فسجدوا .
الأمر الثاني : أن يكون امتناعه من السجود مبنيّا على أنّه بتكوينه وفطرته أعلى منزلة ، وأرفع مرتبة من الّذين كلّفوا أن يسجدوا له .
والمعنى : أجعلت نفسك بغير حقّ في مرتبة فوق مرتبتك الّتي هي لك بخلق ربك ؟ . أم كنت في تصوّرك من العالين حقيقة في المرتبة ، فرأيت أنّه لا يليق بك أن تسجد لادم ، ولو كان ذلك طاعة لربّك خالقك ؟
*
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
( 76 ) :
في إجابة إبليس هذه تهرّب من الاعتراف بالاستكبار ، والتزام بادّعاء القضيّة الثانية ، استنادا إلى وهم التفوّق العنصري ، المستند إلى ادّعاء أنّ عنصر المادّة الّتي خلق اللّه إبليس منها وهي النار ، أشرف وأعظم منزلة ومرتبة من عنصر الطين الذي خلق اللّه جسد آدم منه .
لقد زعم أنّ عنصر النّار خير من عنصري الماء والتراب ، الذين يتكوّن من اختلاطهما ببعضهما الطين ، فهو أعلى بعنصره الذي خلقه اللّه منه ، من عنصر الطين ، فليس من الحكمة أن يؤمر بالسّجود التكريميّ لآدم .
هذه النزعة الإبليسيّة هي أساس مزاعم التفوّق العرقي ، والتعالي العنصري ، والاستكبار القوميّ ، وهي نزعة قائمة على وهم باطل لا صحّة له بوجه من الوجوه ، إذ التفاضل بين المخلوقات إنّما يكون بالصّفات الفاضلة الموجودة في المخلوق بعد تكوينه ، لا بالعناصر الأولى الّتي تكوّن منها ، ما لم يكن لها تأثير في وجود الصّفات الفاضلة الموجودة فعلا في المخلوق ، بعد إيجاده .
*
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 77 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ
( 78 ) .