ويتساءل المتدبر : ما الحكمة البيانيّة من جمع مؤكّدين في هذه العبارة :
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ؟
أقول : لقد تنبّه الزمخشري في كشّافه للجواب فقال : « أفادا معا أنّهم سجدوا عن آخرهم ، ما بقي منهم ملك إلّا سجد ، وأنّهم سجدوا في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات » ه
أي : فالتأكيد بعبارة :
كُلُّهُمْ
أفاد أنّهم سجدوا عن آخرهم ، ما بقي منهم ملك إلّا سجد . والتأكيد بعبارة :
أَجْمَعُونَ
أفاد أنّهم سجدوا مجتمعين في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات ، تنفيذا للسجود الفوريّ الذي أمرهم اللّه عزّ وجلّ به في قوله :
فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
( 72 ) .
*
إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ
( 74 ) :
استثناء إبليس هنا هو من قبيل الاستثناء من عموم من أمرهم اللّه بالسجود لآدم ، إذ قد وجّه اللّه عزّ وجلّ الأمر بالسجود لملائكة الملأ الأعلى ولمن كان مندسّا فيهم بنفاقه ، ومختلطا بهم ، معتبرا نفسه أنّه واحد منهم ، مع أنّه قد كان من جنس الجنّ الّذين يملكون بخلق اللّه القدرة على الطاعة والمعصية ، وهم مخلوقون من مارج من نار ، أي : من أخلاط ناريّة ، بخاف الملائكة ، فإنّهم بفطرتهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وهم مخلوقون من نور صاف نقيّ .
فالاستثناء هو من قبيل الاستثناء المتّصل ، لا من قبيل الاستثناء المنقطع ، وحمل لفظ « الملائكة » على أنّه يشمل الملائكة والجنّ خطأ مخالف لدلالات النصوص القطعيّة .
فخطاب التكليف بالسّجود الموجّه للملائكة ، موجّه للملائكة ولمن كان مدّعيا أنّه منهم ، أو معتبرا نفسه بنفاقه واحدا منهم .
وقد كشف الامتحان إبليس ، فأبان كفره بإلهيّة ربّه ، وأبان أنّ عنصره