تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
ليس من عنصر الملائكة الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ، والذين يفعلون ما يؤمرون ، والّذين هم مخلوقون من نور ، بل هو مخلوق من نار .
اسْتَكْبَرَ :
أي : اشتدّ في كبره عن السّجود لآدم ، شدّة جعلته يجحد إلهيّة اللّه له ، الّتي هي حقّ ربوبيّته لكلّ الموجودات من دونه . [ الإله ] : هو المعبود ، وأوّل عناصر عبادة العبد لربّه الإذعان له بحقّه في طاعة أوامره ونواهيه ، فمن جحد هذا الحقّ فهو من الكافرين به ، لأنّ ربوبيّته تستلزم إلهيّته حتما لزوما عقليّا ، ولا إله هو ربّ يعبد بحقّ في الوجود إلّا اللّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له . *
. . . وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ
( 74 ) : أي : وكان إبليس من قبل أن يكشفه الامتحان ، من الكافرين بحقّ اللّه في إلهيّته لعباده ، مع إيمانه بأنّه ربّه وربّ كلّ شيء في الوجود من دونه جلّ جلاله . والإيمان لا يكون صحيحا مقبولا عند اللّه ما لم يتحقّق الإيمان الكامل بربوبيّة اللّه عزّ وجلّ ، وبإلهيّته ، دون إشراك بهما أو بأحدهما . وكفر إبليس قد كان كفرا بإلهيّة اللّه ، وطعنا في حكمته في أوامره ونواهيه وإباء واستنكافا عن طاعته فيما خالف هواه ، وقد كان هذا موجودا في نفسه قبل كشفه بالامتحان ، مع أنه قد كان بنفاقه وشدّة مكره مندسا في الملائكة ، حتّى وصل إلى ملائكة الملأ الأعلى ، واندسّ فيهم ، باعتبار أنّ الجنّ كانوا ممكّنين بحسب طبيعة أجسادهم الشفّافة اللّطيفة القادرة على التشكّل ، أن يدخلوا في جموع الملائكة ، وأن يتظاهروا بأنّهم منهم ، ثمّ منعوا من ذلك ، ومن الصّعود لاستراق السّمع من ملائكة السماء . ولا يصحّ هنا حمل « كان » على الكينونة الحالية الّتي ظهرت بعد الامتحان ، لأنّ الامتحان يكشف ما هو موجود سابقا في النفوس ، أمّا التّقلّبات الظاهريّة فلا وزن لها عند اللّه عزّ وجل ، ولا قيمة لها .