ولمّا طال عليه البلاء ، واشتدّت عليه إغراءات الشيطان ووسائل كيده ومكره ، ليدفعه إلى سوء الظّنّ باللّه والطّعن في حكمته ، نادى ربّه مستجديا رحمته ، بكلام تفسيره :
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ :
أي : بمشقّة نفسيّة وتعب وإعياء ، حتّى خشيت على نفسي من كثرة وساوسه ، وإغراءاته الكيديّة ، ومكره الشديد .
فحماه اللّه من التأثّر بالشّيطان ، فأمدّه بالصّمود والصّبر .
قيل : استمرّ بلاؤه ثلاث سنين . وقيل : سبعا وأشهرا .
وقيل : ثمانية عشرة سنة ، وليس في شيء من هذه الأقوال ما يصحّ اعتماده ، ولكن قد اجتاز امتحان الصّبر بنجاح باهر .
وشفاه اللّه ووهب له أهله ومثلهم معهم ، وعاد له إخوته وأصحابه الذين اعتزلوه وهجروه أيّام بلائه ، ووسّع اللّه عليه في الرّزق والمال ، حتّى صار عنده ضعف ما كان عنده سابقا .
تدبّر نصّي ( ص ) و ( الأنبياء ) تدبّرا تكامليّا
*
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ :
أي : وضع في ذاكرتك للانتفاع وتقدير الأمور حقّ قدرها ، ما نقصّه عليك من قصّة بلاء أيّوب ، ذي الغنى والمال الكثير والأنصار والأعوان ، وما تعرّض له من صنوف ابتلاء .
المخاطب الأوّل في هذا النّصّ نبيّنا ورسولنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثمّ كلّ أهل للخطاب بأسلوب الخطاب الإفراديّ .
وقد شرّف اللّه عزّ وجلّ أيوب عليه السّلام بقوله :
عَبْدَنا
إذ تحقّق بعبوديّة صادقة ممتازة في امتحان الشكر ، وفي امتحان الصبر .
*
إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
( 41 ) .