تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
الشدائد ، فتغيّر قلبه عن اللّه ، وانطلق لسانه بالتّسخّط على مقادير اللّه ، والطّعن في حكمته . فشاء اللّه عزّ وجلّ أن يباهي بعبده أيّوب في امتحان الصّبر ، كما باهى به في امتحان الشكر . فبعث اللّه جلّت حكمته على أمواله غزاة ، فسلبوها من جهات مختلفات ، فلم يبق له أنعام ولا رقيق ، ولا غلمان خدمة ، حتّى أبناؤه وبناته لم يجد لهم أثرا ، ويظهر أنّهم تعرّضوا للأسر مع من سلب من غلمانه ورقيقه . ثمّ أنزل اللّه جلّت حكمته به الأوجاع ، فابتلاه بالمرض ، ومكّن الشيطان من أن يتعرّض له بما يغريه بسوء الظّنّ في اللّه ، وبما يحرّضه على أن يطلق لسانه بالتسخّط على اللّه ، واتّهامه في حكمته بما أنزل به من بلاء ، على الرّغم من استقامته في أيّام امتحانه بالنعمة والصّحّة ، وكثرة الأحباب والأنصار والأولياء . وطال به المرض ، وتراكبت عليه البلايا والآلام ، وابتعد عنه كلّ الّذين كانوا حوله يردون من مورده العذب أيّام نعمته وصحّته وعطاءاته الكثيرات . ولم يبق حوله غير زوجته الوفيّة ، الّتي تأتي لخدمته وطعامه وشرابه ، مع كلّ ما فيه من بلاء . قالوا : وكانت زوجته تعمل بالخدمة عند الناس ، لتشتري له ما يأكله ، ولم تجد في بعض الأيّام عملا ، فاضطّرّت أن تبيع ضفيرتي شعرها لبعض نساء الأثرياء ، من اللّواتي يحببن أن يتزيّنّ بالشّعر الطويل ، لتجلب له طعامه ، فسألها أيّوب عليه السّلام كعادته : من أين جلبت هذا الطّعام ؟ فأخبرته ، فساءه ما فعلت ، وحلف ليضربنّها مائة ضربة بالسّوط ، متى استطاع أن يفعل ذلك ، وقيل غير ذلك واللّه أعلم .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 579 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني