جسدا ، يدلّ على أنّه لا يأكل ولا يعاشر النّساء ، فهو ليس جنّيّا ، لأنّ الجنّ كالإنس يأكلون ويشربون ويعاشرون النّساء ، وليس وثنا ، لأنّه لو كان وثنا أو دمية لاكتشف سليمان أمره سريعا ، ولمّا كان في الأمر اختبار له .
وفي معرض طلب المشركين أن يكون الرّسول ملكا معترضين على بشريّته ، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) بعد بيان أنّ الرّسل جميعا رجال يوحي اللّه إليهم :
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ . . .
( 8 ) .
وهذا ينطبق على الملائكة ، فهم أجساد نورانية ، لا يأكلون الطعام ، وليس لهم سائر الصّفات الحيوانيّة البشرية ، لكنّهم مخلوقات نورانيّة ، قد يتشكّلون بالأشكال الجسديّة بقدرات أعطاهم اللّه عزّ وجلّ إيّاها .
فالظاهر من كون اللّه تبارك وتعالى ألقاه على كرسيّ سليمان ، ومن تسميته جسدا ، أنّه ملك أنزله اللّه بأمره ، فتشكّل جسدا على صورة سليمان ، وتمّ به امتحان سليمان في خصوص كرسيّ ملكه ، ولا أحد من النّاس غير سليمان يدري بالأمر .
ولسنا بحاجة بعد هذا لمعرفة تفصيلات رجعة كرسيّ الملك إليه ، وإنهاء حادثة الامتحان ، ويكفي أن ينصرف هذا الجسد عنه ، ليجده سليمان عليه السّلام فارغا ، فيلبس لباس الملك كعادته ، ويجلس عليه في الأوقات الّتي اعتاد أن يجلس عليه فيها .
* قوله تعالى :
. . . ثُمَّ أَنابَ
( 34 ) : يدلّ على أنّه قد مضت مدّة على سليمان كان فيها هائما شاردا ، حتّى أناب إلى ربّه ، واستغفر ، فغفر اللّه له ، فأعاده إلى ما كان عليه من الملك والسّلطان .
لقد أدرك سليمان عليه السّلام بعد مدّة أنّه ارتكب بعض أخطاء لا تليق بمثله وهو نبيّ ورسول ، وأنّه كان ينبغي له أن يحافظ على كمال مرتبة