تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
المحسنين المقرّبين ، ولا ينزل في بعض أعماله وتصرّفاته إلى مرتبة الأبرار أو المتقين ، فأناب إلى ربّه . وهذه الإنابة القلبية الّتي أنابها من أعماق كيانه ، رافقها أن صرف اللّه الشّبيه من الملائكة المتجسّد على مثال صورة سليمان ، وعاد سليمان عليه السّلام إلى كرسيّه ملكا ، والناس لم يعرفوا شيئا ، لأنّهم لم يفرّقوا بين الشّبيه المماثل والأصل ، إلّا أن زوجاته ربّما استنكرت أنّه انقطع عنهنّ وهو المولع بالنّساء . وإذ أناب سليمان عليه السّلام إلى ربّه إنابة صحيحة صادقة ،
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي .
وأدرك أنّ الملك عرضة للسّلب بطرفة عين متى شاء اللّه سلبه ، وهو يعلم أنّ الملك بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، وينزعه ممّن يشاء ، فأتمّ دعاءه لربّه قائلا :
وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
( 35 ) . أي : وهب لي ملكا لا أسلبه في حياتي ، ولا ينبغي مثله لأحد من بعدي ، فدلّت عبارة :
لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
على الأمرين معا ، أمّا أحدهما فبصريح اللّفظ ، وأمّا الآخر فبلازمه الذّهني ، لأنّه إذا كان لا ينبغي هو أو مثله لأحد من بعد حياته ، فرغبته في بقاء ملكه له طوال حياته مضمّنّة في الدّعاء لزوما ذهنيّا ، ومن « باب أولى » فلا داعي لحمل العبارة على أحدهما فقط : إذ الآخر مفهوم بدلالة اللّزوم الذهنيّ كما ذكرت . وبناء على المعنى الّذي يدلّ عليه منطوق اللّفظ ترك الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم العفريت من الجنّ الّذي أمكنه اللّه عزّ وجلّ منه ، لئلا يشارك سليمان عليه السّلام ببعض خصائص ملكه في التّسلّط على الجنّ ، فيتوهّم النّاس عدم تفرّد سليمان بما خصّه اللّه به .