قال النحاة من علماء العربية : « نعم » فعل جامد لإنشاء المدح على سبيل المبالغة ، أي : مع غرض تعظيم هذا المدح ، وبيان أنّه كبير ، وفاعل فعل المدح « نعم » هنا كلمة « العبد » فالفاعل هنا اسم ظاهر معرّف ب « ال » الجنسيّة ، وجملة المدح هذه تحتاج إلى اسم يكون هو المخصوص بالمدح ، ويعربه النحاة مبتدأ متأخّرا ، والجملة من « نعم » وفاعله في محلّ خبر متقدّم .
لكن المخصوص بالمدح في الآية وهو لفظ « سليمان » محذوف إيجازا ، للعلم به من الجملة السّابقة .
وجاء بعد ذلك في عرض مقتطفات من قصّة حياته مثال مما استحقّ به عبارة المدح ، وهو رغبته في إعداد خيول الجهاد في سبيل اللّه ، لنشر دين اللّه ، واهتمامه بها تدريبا واستعراضا لها ، وحثّا على اقتنائها ، وهذا أمر يستحقّ المدح المبالغ فيه .
الوصف الثاني : بيان أنّه أوّاب ، أي : رجّاع إلى اللّه بالاستغفار والتوبة وذكر اللّه ، كلّما شغلته شواغل الملك والسّلطان ، أو تعرّض لما لا يليق بمقام نبوّته ورسالته ، ممّا قد يبعده عن مقام قرب المقربين المحسنين ، ولو كان من الأعمال الّتي لا تستنكر من المتقين ، ولا من الأبرار .
وجاء بعد ذلك في عرض مقتطفات من قصّة حياته ، مثال غامض ممّا فتن به ، أي : امتحن به ، فكان منه ما لا يليق بأمثاله من الأنبياء والمرسلين ، ثمّ أناب إلى ربّه ، وقال : ربّ اغفر لي ، ولم يتنازل عن رغبته في ملك وسلطان أوسع ممّا لديه من ذلك ، فأتبع استغفاره بقوله في دعائه لربّه :
وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
( 35 ) .
إذن فالبدء بالحديث عن سليمان عليه السّلام قد كان عنوانا من شقّين .