[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 32 إلى 40 ]
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ( 32 ) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ( 33 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ ( 34 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 )
وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ( 37 ) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 38 ) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 39 ) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 40 )
تمهيد :
اشتملت هذه الفقرة على مقتطفات مختزلات من قصّة حياة سليمان بن داود عليهما السّلام ، وهي معطوفة على المقتطفات المختزلات من حياة أبيه داود ، دون أن تستفتح بعبارة : « واذكر » مثل أشباهها في السّورة ، لأنّ حال سليمان كحال أبيه عليهما السّلام ، فكلّ منهما قد آتاه اللّه الملك ، وكلّ منهما قد خصّه اللّه بتسخير بعض ما خلق تسخيرا خاصّا ، وكلّ منهما أوّاب كثير التوبة والرّجوع إلى اللّه ، وكلّ منهما قد امتحن فوقع منه ما لا ينبغي أن يقع من مثله ، وكلّ منهما أناب إلى ربّه مستغفرا تائبا فغفر اللّه له ، وكلّ منهما قال اللّه عزّ وجلّ بشأنه :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ
( 40 ) .
إذن فالتذكير بقصة حياة سليمان نظير التذكير بقصّة حياة أبيه داود عليهما السّلام ، من حيث الغرض من هذا التذكير الموجّه للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم للتأسّي ، واختيار ما يحبّ لنفسه من أحوال الرّسل عليهم السّلام ، فكان مجرّد العطف هو المناسب ، لتشابه مضمون القصّتين .
وفي عبارة :
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ
ربط بقصّة داود ، وتوطئة لذكر مقتطفات من قصّة سليمان تلائم الغرض من التذكير بهما .
إنّ الإنسان يحبّ الولد الوارث لأمجاده ، إذ يشعر أنّه امتداد لبقائه ، فيعوّض به عن رغبته في استمرار البقاء في هذه الحياة الدّنيا ، ولو كان على يقين بأنّه سيخلد يوم الدين .