تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
كان سليمان عليه السّلام مولعا باقتناء الخيول واستعراضها ، لأنّها من أفعل الوسائل في العصور السالفة للجهاد في سبيل اللّه ، بغية نشر دين اللّه ، وقمع الكفر والشّرك والمشركين والمفسدين في الأرض . وفي عشيّة من العشايا ، وهي في العادة تكون بعد وقت العصر ، حتّى غروب الشمس ، طلب سليمان عرض موكب خيوله عليه ، فعرضت عليه أرتالا ، وربّما رافق ذلك سباقات بين بعضها . ولا بدّ أن تسير مارّة قرب مجلسه في استعراضها ، متّجهة في طريقها ومنصرفة نائية عنه ، وهي من نقايات الخيول وجيادها ، وربما كانت مسرجة ملجمة عليها فرسانها ، واستمرت مسيرة عرض الخيول حتّى استتر آخر أرتالها عن نظره ، انعراجا ذات اليمين أو ذات الشّمال ، أو هبوطا في طريق نازلة ، أو نحو ذلك . وشعر سليمان عليه السّلام وهو يستعرض خيوله ، أنّه ابتهج بهذا المشهد الرائع ، وسرّ به ، وخاف أن يكون قد مال إلى مباهج الحياة الدّنيا ، ورغبة العلوّ في الأرض ، وخاف أن يفهم شعبه ذلك عنه ، فقال لحاشيته والنّاس من حوله : إنّي أحببت اقتناء جياد الخيول وتدريبها واستعراضها حبّ الخير ، أي : لا حبّ التّفاخر والتّعاظم والعلوّ في الأرض الّذي لا يليق بأهل القرب من اللّه جلّ جلاله ، وهذا الخير هو الجهاد في سبيل اللّه لنشر دين اللّه وإعلاء كلمته . وهذا الحبّ الّذي أحببته للخيول ناشيء وصادر عن ذكر ربّي ، لا عن انشغال نفسي بمباهج الحياة الدنيا وزينتها ومفاخرها . ثمّ طلب من أمراء ساسة الخيول أن يردّوها عليه ، فردّوها ، فلمّا وصلت إلى مكان العرض قافلة ، قام من مجلسه ونزل إلى طريق العرض ، وأخذ يعبّر عن تكريمه لها إشعارا بتكريم الغاية منها ، فجعل يحني ظهره تواضعا فيمسح بسوقها ، ويقيم ظهره فيمسح بأعناقها .