ومعنى كون القرآن مباركا أنّه لا تنضب فيوض معانيه ، وأنّه ذو خيرات كثيرات جدّا فكريّة ونفسيّة وشفائيّة وغير ذلك .
لكنّ هذه المعاني المباركة الثرّة لا يقتبس منها إلّا الّذين يتدبّرون آياته .
*
. . لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 29 ) :
في هذه العبارة بيان أنّ من أغراض إنزال هذا الكتاب غرضين :
الغرض الأول : تدبّر آياته .
الغرض الثاني : تذكّر أولي الألباب .
تدبّر النصّ : هو التّفكّر الدّقيق العميق الّذي تلاحظ فيه العواقب ببصيرة ، حتّى الأطراف البعيدة التي يدلّ عليها النّصّ ، وبالتدبّر السليم تحصل المعرفة الشّاملة للنصّ ، من أوائله حتى أواخره ، ويدخل فيها اللّوازم الفكريّة الّتي يقتضيها النّصّ قبل معناه المطابق للفظه ، وبعد معناه المطابق للفظه .
والتدبّر : هو النظر في عواقب الأمور وأدبارها وما تؤول إليه .
ومنه التدبير ، وهو وضع الخطط الشاملة للأمور من بداياتها حتى أدبارها .
فتدبّر كلمة « الذّكر » عنوانا للقرآن المجيد ، يتطلّب استدعاء اللّوازم التي يستدعيها الفكر ، والّتي تكون قبل كونه ذكرا ، وهي تبلّغه باصغاء ، والإيمان به ، وتفهّم معانيه ، وحفظها في الذاكرة ، وحفظ ما يجب حفظه من نصوصه ، وتذكّر ذلك عند المناسبات الداعيات للعمل بها ، وهذه هي الحلقة الأخيرة من سلسلة اللّوازم الفكريّة ، فأطلق على القرآن أنه ذكر للعالمين .