ما في الأرض والسماء ، فهو يتصرّف بالأشياء ضمن قوانينها وأنظمتها باختياره الحرّ ، وهذا التصرّف ينجم عنه ظالم ومظلوم ، وذو غنيّ ومحروم ، ومسيء ومحسن ، وكافر ومؤمن ، وتقيّ ومجرم ، ثمّ لا يكون بعد ذلك حساب ، ولا فصل قضاء ، ولا جزاء ؟ ! !
إنّه تمكين لذوي القوّة من أن يكون الباطل هو العزيز الفائق ، وأن يكون الحقّ هو الذّليل الزاهق ، وهذا عند كلّ العقول السليمة عمل باطل ، وكلّ ما يؤدّي إلى باطل فهو باطل .
إذا كانت الغاية من الخلق هذا الأمر الباطل ، فإنّ الخلق نفسه عمل باطل ، يقضي إلى تمكين الباطل من إزهاق الحقّ .
فمن زعم أنه ليس بعد هذه الحياة الدّنيا حساب ، ولا فصل قضاء ، ولا تنفيذ جزاء ، لزمه أن يدّعي أنّ اللّه جلّت قدرته وعظمت حكمته ، قد خلق هذا الخلق باطلا وعبثا ، وهذا جحود لكمال صفات اللّه عزّ وجلّ ، وهو من الكفر باللّه ، وإنّ الّذين يقولون هذا ما قدروا اللّه حقّ قدره ، إنّهم بهذا الزعم ليس لهم إلّا الأوهام التي هي أضعف الظّنون الساقطة بالبداهة ، وهي أوهام زيّنتها لهم رغباتهم الفاجرات بالتحرّر من قيود الحقّ والخير والفضيلة ، ورغباتهم باتّباع أهوائهم وشهواتهم .
. . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ :
فويل : أي : فعذاب شديد لهم من عذاب النار ، الذي يذوقون فيه عذاب الحريق .
و « ويل » واد في جهنّم ، كما سبق بيانه لدى تدبر سور ( الماعون والهمزة والمرسلات ) « ويل » مبتدأ .
« لِلَّذِينَ كَفَرُوا »
في محلّ رفع خبر .
وفي هذه العبارة وعيد من اللّه جلّ جلاله لهم بعذاب شديد في النار يوم الدين .
*
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
( 28 ) :