على قضيّة الجزاء يوم الدّين ، الّتي جحدها وتعجّب من نبئها المصرّون على كفرهم من كبراء مكّة ، الّذين جاء بيان تعجّبهم في الدّرس الأوّل من دروس السورة في قول اللّه تعالى في أوائلها :
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ
( 4 ) .
فمع كون هاتين الآيتين من توابع الدرس الثاني فقد جاءتا موصولتين ببعض ما جاء في الدرس الأوّل منها ، وهذا من عناصر وحدة موضوع السّورة القرآنيّة .
عرض الدليل العقلي الذي جاء في هاتين الآيتين بعبارة مبسوطة :
( 1 ) يبدأ الاستدلال من أرضيّة فكريّة يقف عليها المعنيّون بالخطاب ، وهم مشركو مكة إيّان التنزيل .
إنّهم كانوا يؤمنون بأنّ اللّه جلّ جلاله خالقهم وخالق السّماء والأرض وما بينهما ، إذن فهذه قضيّة مفروغ منها ، لا يحتاجون إلى إقامة دليل عليها .
( 2 ) وبناء على أنّ اللّه عزّ وجلّ هو خالق السّماء والأرض وما بينهما ، وخالق ما فيهما من أشياء وأحياء ونباتات ، وخالق الناس أجمعين ، فهل يجدون في شيء من خلق اللّه مخلوقا غير متقن وغير حكيم ؟ .
لا بدّ أن يكون الجواب القطعيّ ولو بعد تأمّل وبحث وتفكير : لا نجد في هذا الخلق الرّبّانيّ شيئا غير متقن وغير حكيم .
إنّه صنع اللّه الّذي أتقن كلّ شيء ، وأحكم كلّ شيء ، وإتقان الأشياء ، ووضع كلّ شيء في موضعه الملائم له بحكمة تامّة ، لا بدّ أن يكونا مصحوبين بعلم شامل .
إذن فالخالق جلّ جلاله متقن حكيم عليم ، وهذه نتيجة من الضّروريّ أن يسلّم بها ، ويعتقدها كلّ عاقل منصف ينشد الحقّ ، وليس له هوى على خلافه .