فوجّه اللّه له بقوله :
إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً
وظيفة الاستخلاف المؤيّد المعان ، ضمن سلسلة ذوي السّلطان المستخلفين من القادة والملوك المؤمنين .
ولم يجعله اللّه خليفة عنه ، كما يتوهّم بعض الّذين خدعتهم هذه المقالة ، المتسلّلة إلى فريق من المسلمين تسلّلا خبيثا ، مناقضا لأسس العقيدة الإسلاميّة .
فاللّه جلّ جلاله قيّوم السماوات والأرض ، المهيمن على كلّ شيء ، وبيده الأمر كلّه ، له الخلق ، وله الأمر ، وله الحكم والقضاء في كلّ شيء ، ولم يستخلف عنه أحدا .
وإذ جعل اللّه عزّ وجلّ داود خليفة ، أي : حاكما في الأرض ذا سلطان معان مؤيّد بتأييد اللّه منصور بنصره ، فإنّ عليه في هذا السلطان واجبا لا خيرة له من أمره فيه ، وهو أن يحكم بين الناس بالحقّ ، وأن لا يتّبع الهوى ، فإذا اتّبع الهوى أضلّه عن سبيل اللّه .
*
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ :
أمر من اللّه جلّ جلاله لداود عليه السّلام بأن يحكم بين النّاس بالحقّ ، والحكم بالحقّ من ظواهره الالتزام بالعدل ، والعدل هو إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، والحكم بالحقّ هو سبيل اللّه في الحكم .
يقال لغة : حكم بالأمر يحكم حكما ، أي : قضى به ، فالباء للتعدية ، والمعنى : قضى الحقّ ، أي : أمضاه بنطقه بالحكم الّذي هو الحقّ .
*
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ :
الهوى : ميل النّفس إلى ما تحبّ وتشتهي ولو كان فيه شرّ وضرّ وإثم وعصيان ، وفي الهوى معني السّقوط والهبوط من علوّ إلى سفول غالبا ، وقد يرتقى الإنسان فيكون هواه تبعا للحقّ والخير والفضيلة ومرضاة اللّه عزّ وجلّ .