والمناسب هنا إرادة تأكيد التعبير عن القلّة الشديدة ، حتّى كأنّهم نادرون .
*
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ
( 24 ) :
بعد أن نطق داود عليه السّلام بالحكم الحقّ في القضيّة الّتي عرضها عليه الخصمان ، وقدّم النّصح المناسب للقضيّة التي قضى فيها ، أخذ يتفكّر في هذا الحدث الذي جرى له .
وطوى النّصّ أن الخصمين قبلا حكمه ونصحه وهديه ، وانصرفوا من حيث دخلوا ، فلمّا عاد داود إلى خلوته أخذ يتفكّر في هذا الأمر الّذي حدث له وهو في عزلته وخلوته ، وأخذ يحاسب نفسه ، ويسترجع ما كان من عمله ، ويقول في نفسه : كيف دخل عليّ هؤلاء في وقت لا يدخل عليّ فيه أحد ، والحرّاس لا يمكّنون أحدا من الدّخول عليّ فيه ؟ ! وكيف خرجوا من عندي دون أن يحدثوا حدثا يدلّ عليهم ؟ !
هنا أخذت الظّنون تتوارد على تفكيره بعد هذه المراجعة ، فظنّ ظنّا قويّا راجحا ، يفيد علما ظنّيّا ، أنّ الّذين دخلوا عليه هم ملائكة جاءوا على صور بشريّة ، وأنّ اللّه عزّ وجلّ لم يرسلهم إلّا لكشف ما امتحنه به في قضيّته الخاصّة ، ولكشف ما امتحنه به من قضاء في قضيّة مناظرة لقضيّته الخاصّة ، الّتي ما كان يليق به وهو نبيّ رسول من أهل مرتبة المحسنين أن تصدر عنه .
لقد نجح في الامتحان الثّاني ، فحكم بالحقّ ، ولم يتّبع الهوى ، ولم يقس صاحب النّعاج التّسع والتّسعين على نفسه فيما بدر منه من خطيئة لا تليق بمثله ، فلم يخفّف عنه في إصادار الحكم رغبة في التخفيف عن نفسه .