وبعد أن وضح له الأمر ، إذ قابل النظير بالنّظير ، ظهر له أنّه لم يكن كما ينبغي أن يكون في الامتحان الأوّل ، وأدرك أن الأمر عتاب من اللّه له على ما كان منه
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ :
أي : سأل ربّه أن يغفر له ما كان منه
وَأَنابَ :
أي : ورجع إلى اللّه بالتّوبة ، بعد أن ابتعد قليلا عن مقام القرب ، بفعل ما لا يليق بمثله ، وإن لم يكن معصبة بالنسبة إلى غيره من المتّقين ، أو الأبرار ، إذ هو من المحسنين أهل المرتبة العليا .
وَظَنَّ داوُدُ :
أي : غلب على ظنّه ، دون أن يكون ما وصل إليه علما يقينيّا ، وغلبة الظّنّ كافية لأن تشعره بأن اللّه عزّ وجل قد امتحنه .
أَنَّما فَتَنَّاهُ :
« أنّما » أداة حصر ، أصلها « أنّ » الّتي تنصب الاسم وترفع الخبر ، و « ما » الكافة لحرف « أنّ » عن عمل النصب والرفع ، ومعناها الحصر .
« فتنّاه » : أي : امتحنّاه واختبرناه وابتليناه . إنّ مادّة : « فتن » ومشتقاتها تدلّ في الغالب على معنى الامتحان والابتلاء ، وقد تدلّ على معنى الإحراق والتعذيب بالنار وعلى معنى الإغراء والإغواء للإيقاع في الإثم ، وعلى غير ذلك من المعاني .
لقد امتحن داود عليه السّلام امتحانين ، امتحانا في سلوكه الشّخصيّ ، فصدر عنه ما لا يليق بأهل مرتبة المحسنين . وامتحانا في الحكم والقضاء ، فحكم ولم يتّبع الهوى ، وكأنّه قد حكم على نفسه ، فكان في هذا الامتحان من ذوي الدّرجة العليا من درجات الإحسان .
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ :
أي : فعقب وضوح الظّنّ الرّاجح لديه سأل ربّه أن يغفر له خطيئته .
الاستغفار : طلب المغفرة ، أي : السّتر ، يقال لغة : غفر الشّيء يغفره غفرا وغفرانا ومغفرة ، إذا ستره ، وغفران الخطيئة يقتضي عدم المؤاخذة عليها .