ومعظّميه من رعيّته أمرا أو شيئا لنفسه ، فإنّه لا يملك إلّا الموافقة السّريعة والطّاعة ، ولو كان طلبه على سبيل العرض لا الأمر الإلزاميّ ، وهو مع موافقته الظاهرة قد يكون كارها غير راض .
فإذا سئل : كيف وافقت وأنت كاره ؟ . قال : وهل أملك أن لا أوافق ، أنا مضطرّ مغلوب ، فلو أنني رفضت لأغضبت سلطاني أو ملكيّ ، فتعرّضت بسبب غضبه لأمور هي أشدّ عليّ ممّا أتخلّى عنه لأجله ، وأنا في قلبي كاره غير موافق .
فكان من الإبداع في البيان ، للدّلالة على العرض التّخييريّ في ظاهره ، الملزم في باطنه ، عبارة
وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
ولكنّ هذه المعاني التي سبق بيانها لا تستخرج إلّا بالتّأمّل الدقيق .
ولا بدّ أن يكون داود عليه السّلام قد تثبّت من أنّ صاحب النعجة الواحدة هو صاحب الحق ، عن طريق البيّنة ، أو عن طريق اعتراف المدّعى عليه من صدق الادّعاء ، أو اجتمعا معا ، إذ لا يتصوّر منه أن يتسرّع في الحكم قبل التثبّت ، وقد وصفه اللّه عزّ وجلّ في صدر الحديث عنه ، بأنّه آتاه الحكمة وفصل الخطاب ، ومعلوم أنّه ليس من الحكمة إصدار الحكم بناء على السّماع من أحد الخصمين ، دون التثبّت من صدق الادّعاء ، فمثل هذا لا يفعله أقلّ القضاة حكمة ، فضلا عن نبيّ رسول حكيم ، له مجلس يقضي فيه بين الناس .
*
قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ :
في هذه العبارة مثال من أمثلة فصل الخطاب الذي آتاه اللّه عزّ وجل داود عليه السّلام ، ففيها تأكيد أن طالب النعجة من أخيه مستندا إلى سلطته في خطاب العرض ، قد ظلمه بهذا الطلب الملزم في باطن الأمر . وجاء التأكيد بعبارة :
لَقَدْ .