تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
تحكيمه في قضيّة مشابهة لما جرى منه ، عرضها عليه خصمان اقتحما عليه خلوته في محرابه وهو يعبد ربّه ، ولم يكن من عادته أن يقتحم عليه وهو في خلوته أحد ، إذ كان يمنع من ذلك ، ويأمر حرّاسه بأن لا يأذنوا لأحد بالدّخول عليه . والحكم الّذي لا بدّ أن يحكم به في هذه القضيّة يشعره بأنّه يحكم به على نفسه في السلوك الذي جرى منه . وهي طريقة حكيمة من طرق التربية الرّبّانيّة للمقرّبين ، إذا وقعت منهم هفوات لا تليق بمقاماتهم . وقد تزيّد الإسرائيليّون في رواية الهفوة التي جرت من داود عليه السّلام ، كعادتهم في اتّهام أنبيائهم ورسلهم بالكبائر ، ذريعة لتهوين كبائرهم وموبقاتهم الّتي يرتكبها كهنتهم وأحبارهم ورؤساؤهم وملوكهم . وقد جاء بيان هذه القصّة الّتي تزيّد الإسرائيليّون فيها ، في الإصحاحين الحادي عشر ، والثاني عشر ، من سفر صمويل الثاني ، فنسبوا إلى داود عليه السّلام أنّه ارتكب الفاحشة مع زوجة أحد قادته الكبار المخلصين ، واسمه : « أوريّا الحثّي » ثمّ دبّر ضدّه مكيدة التخلّص منه في معارك الجهاد في سبيل اللّه ، ثمّ تزوّج من زوجته وضمّها إلى نسائه ، وأمات اللّه الولد الّذي حملت منه بالزّنا ، ثم ولدت له ولدا سمّاه : « سليمان » وهو الذي ورث الملك بعد أبيه . فإذا جرّدنا من هذه القصّة الإسرائيليّة ما زاده الإسرائيليون افتراء على داود عليه السّلام ، ممّا لا يليق بمقام النبوّة ، وأضفنا ما تدلّ عليه قصّة خصمي التحكيم القرآنيّة ، بقي من القصّة ما يمكن أن ينسجم معه ما جاء في القرآن من معاتبة اللّه عزّ وجلّ لداود على سلوك جرى منه . وبالتجريد من الزوائد الإسرائيليّة يمكن أن نصوّر القصّة على الوجه التالي :