إنّ عارضة الفزع هذه في مثل الحالة التي هو فيها ، ولا سيما إذا كانت ليلا ، تكون ردّ فعل تلقائيّ طبيعيّ ، ولو كان من أشجع الناس وأكثرهم بأسا ، ولو كان نبيّا رسولا ، ولا سيما إذا كان مستغرقا في ذكره وتأمّلاته ومناجاته لربّه .
وأدرك الملائكة الداخلون عليه ما أصابه من فزع ، ومع أوّل اللّحظات قالوا له : لا تخف . أو قال متكلّمهم عنهم جميعا ذلك . وأتبعوا طمأنته ببيان الغاية من دخولهم عليه قائلين :
خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ .
خَصْمانِ :
أي : نحن أصحاب الغرض من الدّخول عليك خصمان جئنا نتقاضى عندك ، فاحكم بيننا بالحقّ ، ولا تجر ، واهدنا إلى الصراط المستقيم بعد نطقك بالحكم .
فحكم بينهما ، وانصرف الخصمان ، وراجع داود نفسه ، ففطن إلى أنّ اللّه عزّ وجلّ قد امتحنه ونبّهه بهذا الإجراء على خطيئته ، فاستغفر ربّه وخرّ راكعا ، وأناب ساجدا ، فغفر اللّه له ذلك الذي كان منه .
التدبّر التحليليّ للنصّ :
* قول اللّه تعالى :
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ
في هذه العبارة شروع في عرض قصّة تتعلّق بداود ، بأسلوب الاستفهام عن العلم بنبأ حادثة جرت له .
ونلاحظ في اختيار هذا الأسلوب التنويع البديع ، فقد كان الكلام قبله في السّورة عن داود بأسلوب الرّواية الخبريّة ، وبعده انتقل إلى أسلوب الاستفهام عن نبأ حادثة جرت له .
هَلْ أَتاكَ ؟
أي : يا محمّد ، ثمّ يا كلّ متلقّ لهذا البيان ، فهو خطاب لكلّ متلق بأسلوب الخطاب الإفرادي ،
أَتاكَ
أي : جاءك .