من فعل « أناب » بمعنى رجع ، ولم يأت في وصفه أنّه « أوّاب » بمعنى كثير الرجوع .
فهل في هذا الصنيع القرآنيّ إشارة إلى أنّ اشتغال داود وسليمان بالملك وما فيه من زينة الحياة الدّنيا ، واشتغال أيّوب بأمور الدّنيا ، وجمع الأموال الوفيرة ، قد كان يشعرهم بأنّ ذلك يصرفهم عن مراقبة اللّه دواما ، وذكر اللّه دواما ، فيؤّوبون إلى اللّه تعالى ذاكرين مراقبين له ، ومحاسبين لأنفسه ، كلّما وجدوا أنفسهم مشغولين بأمور دنياهم ، وبالنّظر إلى تكرّر هذا الأمر منهم ، لتكرّر ما يكون منهم من اشتغال بأمور دنياهم ، خصّهم اللّه عزّ وجل بهذا الوصف « أوّاب » دون سائر المرسلين المذكورين في القرآن المجيد ؟ ؟ .
هذا الفهم غير بعيد ، ولعلّ فيه توجيها ضمنيّا للرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا يطلب الملك ، ولا المال الوفير من الدّنيا ، لئلّا يشغله ذلك ، فيصرفه عن مراقبة اللّه وذكره دواما ، فيحتاج أن يكون أوّابا إلى ربّه آنا فآنا .
ولهذا لمّا عرض عليه المال الكثير الوفير ، وأن تكون له جبال من الذهب ، آثر الكفاف صلوات اللّه وسلاماته عليه ، حماية لنفسه من أن تشغله أمور الدنيا عن ربّه ومراقبته والحضور معه دواما .
* قول اللّه تعالى :
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ
( 18 ) :
العشيّ : هو الوقت من العصر إلى غروب الشمس في الأرجح .
الإشراق : هو الوقت الّذي يظهر فيه ضوء الشّمس واضحا بعد شروقها ، وهو أوّل وقت الضّحى .
تدلّ هذه الآية على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد آتى داود عليه السّلام صوتا نديّا عظيما حسنا ، يملأ الوادي المحاط بالجبال ، إذ كان يترنّم به مسبّحا ذاكرا ربّه بالزّبور بالعشيّ والإشراق ، فتردّد الجبال صدى صوته تسبيحا