تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
يصطفيه اللّه من بينهم ، فيجعله نبيّا ورسولا ، وينزّل عليه الذّكر ، ولا يختار عظيما من عظمائهم لهذه المهمّة العظيمة ، واقتراحهم أن يكون النبيّ الرسول المختار رجلا من عظماء رجالهم ، إنّما هو تدخّل منهم في خصائص ربوبيّة اللّه في ملكه ، وفي تصرّفاته في خلقه ، الّتي يتصرّفها بمقتضى حكمته المقترنة بعلمه الشامل كلّ شيء . واللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، لم يجعل خزائن رحمته الّتي يمنح منها من يشاء من عباده ، ما يشاء بحسب حكمته وعلمه بهم تحت تصرّف أحد من عباده ، ولو كان ملكا مقرّبا ، فكيف بهؤلاء المعترضين أصحاب الأهواء ؟ ! كيف تكون لهم مقترحات مقبولات لدى العليم الحكيم العزيز في اختيار من يعطي من رحمته ، ومن يسمك عنه فلا يعطيه . وعلى طريقة الحصار الفكريّ حول هذا الاعتراض بالذّات أبان اللّه عزّ وجلّ لهم أنّ هذا الاعتراض يمكن أن يكون مقبولا في إحدى حالتين . الحالة الأولى : أن يوجّهه مفوّض بالتّصرّف ، ومن له حقّ الاعتراض ، وقد جاء إسقاط احتمال التّفويض بالتصرّف ، واحتمال أن يكون لهم حقّ الاعتراض ، في قوله تعالى :
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ
( 9 ) وقد سبق شرح هذه الآية . الحالة الثانية : أن يوجّهه من له ملك السّماوات والأرض وما بينهما ، فإن كانوا يزعمون أنّ لهم ملك السّماوات والأرض وما بينهما ، فليقوموا بعمل ما يثبتون به أنّهم يملكون ذلك بحقّ ، لكنّهم لا يستطيعون مع تسخير الأسباب لهم ، وقد جاء إسقاط هذا الاحتمال في قول اللّه تعالى :
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ
( 10 ) وقد سبق شرح هذه الآية . وسبق بيان أنهم لا يستطيعون أن يخالفوا قوانين الرّبّ الخالق في كونه ، فهو الحاكم عليهم بقوانينه فيما سخّر لهم ، وأمره وسلطانه في المسخّرات هو النافذ ، وقوّته هي القاهرة الغلّابة .