تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
العلميّ والعملي الذي لا يتناهى ، ما بقيت في الكون أبعاد يطمح الإنسان إلى اكتشافها ، ومعرفة أسرارها وقواها ، وما بقيت في الكون أسباب مسخّرة له . وهذه العبارة نفسها تشعر ضمنا بما توصّل إليه الناس في هذا العصر ، من استخدام الأسباب التي سخّرها اللّه لهم ، حتّى عرفوا كثيرا من طاقات الكون ، واستخدموها لنسف الجبال ، واستخراج كثير من كنوز الأرض ، وعبور الأجواء ، والوصول إلى القمر وبعض الأفلاك ، فهل تستطيع الدّول العظمى ، المستخدمة لهذه الأسباب ، أن تدّعي أنّ لها ملك السماوات والأرض وما بينهما ، وتتمرّد على قوانين اللّه وأنظمته في كونه ، وأن تكون مشاركة للّه في ربوبيّته لكل شيء ؟ ؟ ! وهل تستطيع أن تفرض على اللّه اختياراتها وأهواءها ، فيترك من أجلهم ما يشاء ويختار ؟ ! ! ولو اتّبع اللّه الملك الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ، ومن فيهن ، كما قال اللّه عزّ وجل في سورة ( المؤمنون / 23 مصحف / 74 نزول ) :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ . .
( 71 ) . وبهذا تمّ الحصار الفكريّ لمكذّبي الرسول في دفع مقولتهم الفاسدة ، بشأن محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم :
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ؟ ! !
فقد تضمّن هذا الحصار الفكريّ التّنبيه على أنّ الاصطفاء بالنبّوة والرّسالة ، لا يخضع لأهواء الناس ومفهوماتهم الطّبقيّة ، بل إنّ اللّه عزّ وجلّ يصطفي بحكمته لرسالته من يشاء من عباده ، وهو جلّ جلاله وعظم سلطانه أعلم بعباده ، وأعلم بمن يصلح منهم لذلك . فاستنكاف كبراء كفار مكّة عن الإيمان بنبوّة محمّد ورسالته ، على الرّغم من وجود الآيات الباهرات الدّالّات عليهما ، واستنكارهم أن