تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
لقد كان عليهم أن يعرفوا حدود أنفسهم ، فلا يعترضوا على اصطفاءات الرّبّ ، لكنّهم لم يفعلوا . بل كان منهم اعتراض يشبه اعتراض من له ملك السّماوات والأرض وما بينهما . وإن بلغ بهم الغرور إلى زعم أنّ لهم ملك السّماوات والأرض ، إذ وجدوا أنّ الأسباب الّتي توصّلوا إليها باكتشافاتهم ، ممّا سخّر اللّه للنّاس في كونه ، تمكّنهم من اجتياز الفيافي والقفار ، وعبور البحار ، والصّعود إلى ما فوق السّحب ، والوصول إلى بعض الأفلاك والأقمار
فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ
أي : فليستخدموا الأسباب المسخّرة لهم ، على طريقة الارتقاء من سبب إلى سبب آخر فوقه ، ثم إلى سبب آخر فوقهما ، وهكذا تسلسلا مع الأسباب ضمن سلّم الأسباب الّتي جعلها اللّه لهم مسخّرات في كونه ، فهل يستطيعون بعد رحلة الارتقاء في سلّم الأسباب حتّى آخر الدّهر المقضيّ لحياة الناس ، أن يثبتوا أنّ لهم ملك السّماوات والأرض وما بينهما ، دون أن يكونوا خاضعين لسلطان ربّهم وربّ السّماوات والأرض وما بينهما ومالك كلّ شيء ومليكه ، ودون أن يكونوا خاضعين لسلطان قوانينه في عوالم الموجودات ؟ ؟ . السبب عند أهل اللّغة : كلّ شيء يتوصّل به إلى مطلوب ما كائنا ما كان . وتدلّنا عبارة :
فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ
على قاعدة كونيّة تعتمد عليها المبتكرات والمخترعات الصناعيّة ، وهي أنّ للأسباب في الكون سلّما ارتقائيّا ، وأنّ كلّ درجة سببيّة هي شرط للارتقاء إلى الدّرجة السببيّة التي فوقها . وتدلّنا هذه العبارة أيضا على التوجيه الرّبّانيّ للأخذ بأسباب الارتقاء
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 503 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني