هذه المعاني المطويّة أغنى عن التصريح بها قول اللّه عزّ وجلّ :
بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ،
أي : عذابي كما جاء في قراءة يعقوب . وهذا القول قد دلّ على قضيتين .
القضية الأولى : أنّهم لم يذوقوا بعد عذاب اللّه ، وهم من الناس الّذين لا تكفيهم الإنذارات الكلامية ، المؤيّدة بالشواهد التاريخية الدالّة على سنّة اللّه في الأمم .
القضيّة الثانية : أنّ زمن إنزال عذاب اللّه فيهم قد صار وشيكا قريبا ، بحسب مقتضى الحكمة التربويّة ، إذا لم يتداركوا أنفسهم بالتّوبة والإيمان الصحيح الصادق ، فليترقّبوا عذاب اللّه الذي سينزل بهم بعد حين ليس بالبعيد .
* فمعنى النفي في [ لمّا ] دلّ على القضية الأولى .
* ومعنى اقتراب وقوع المنفي بها دلّ على القضية الثانية .
وكلمة [ بل ] أشارت إلى المحذوفات المطويّات الّتي يصل إلى إدراكها المتدبّر المتأنّي الباحث في العمق ، تتبّعا للوازم الكفريّة ، وما يقتضيه اللّفظ المصرّح به من معان لم يصرّح بها .
إنّ التّلويح باقتراب أيّام تعذيبهم ، علاج يلامس محاور الخوف في نفوس الّذين لديهم ظنّ باحتمال كون ما جاء في الإنذار حقا وصدقا ، وهذا العلاج من شأنه أن يهدم أوهام العناد ، ويهيل ركامات الإصرار على التقاليد العمياء .
فالخوف في داخل النفوس من العوامل التي تهزّها هزّا عنيفا ، فتنفض عنها ركامات القتر والغبار والغشاوات ، وتجلو رؤيتها عسى أن تستبصر الحقّ .