تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
بخلاف النّصوص الّتي لا تشتمل على الحقّ والصّدق والعمق والهداية للّتي هي أقوم ، أو اختلط فيها الحقّ بالباطل ، والسّمين بالغثّ ، أو كانت معقّدة غير ميسّرة ، أو كانت سطحيّة لا عمق فيها ، فإنّها مهما كانت ذات صياغة حسنة بليغة ، لا تعدو أن تكون نصوصا زمنيّة ، تذكر في حين الانبهار بها ، ثمّ يخبو وهجها ، ثمّ تنطفئ ، ثم تمحوها الأيّام والشّهور والدّهور ، فلا تكون ذكرا في الألسنة والأذهان والقلوب ، فلا تصلح لأن تكون ذكرا دواما . وقد اعتاد النّاس أن تكون جمل الحكم ، وجمل الأمثال ، وبعض فرائد أبيات الشّعر ، دائرة على ألسنتهم ، حاضرة في ذاكرتهم ، عند المناسبات الّتي تلائمها ، لتميّزها ببعض الصّفات اللّواتي سبق بيانها للقرآن المجيد . ولن يجد المتتبّعون هذه الجمل من الحكم والأمثال ، وهذه الفرائد من مقلّدات الشّعر ، إلّا حصيلة منتقيات نادرات من آداب أمّة بكاملها . لكنّ القرآن المجيد صالح لأن يكون كلّه كذلك ذكرا دواما ، مع تميّز حكمه ، وأمثاله وآياته بكلّ الخصائص الّتي تؤهّل النّصّ البيانيّ لأن يكون ذكرا دواما ، في الألسنة والأذهان والقلوب . فمن الحقّ والدّقّة في الوصف أن يصف اللّه عزّ وجلّ القرآن المجيد بأنّه ذو الذّكر ، وبأن يسمّيه ذكرا ، وبأن يصفه بالذّكرى ( الذّكرى : مصدر كالذّكر ) وبأن يصفه بأنّه تذكرة ( أي : كبطاقة مذكّرة بأمر مهمّ ) . أمّا ما في القرآن من عمق تتدفّق منه دواما معاني جديدة ، فهو أمر يجعله لدى ذوي الأذهان القادرة على استنباط المعاني العميقة ، نصّا يذكرونه آنا فآنا ، مهما تدبّروه وتفكّروا في معانيه ، ودلالات مبانيه ، ولوازمها الفكرية ، فيكون لديهم جديدا ممتعا حلوا ، كلّما تكشّفت لهم فيه معاني