تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
وسمّيت هذه السّورة بحرف ( ص ) من حروف التهجّي . * قول اللّه عزّ وجلّ :
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ .
أقسم اللّه في هذه العبارة بالقرآن الّذي وصفه جلّ جلاله بأن ذو الذّكر ، أي : المتّصف بأنّه يستحقّ أن يكون ذكرا للعالمين ، وهذا الاستحقاق ملازم له ملازمة الصاحب الذي لا يفارق صاحبه .
ذِي
أي : صاحب ، يرفع بالواو ، وينصب بالألف ، ويجرّ بالياء ، وهو أحد الأسماء الستّة التي لها هذا الحكم بشروط . فدلّ هذا الوصف للقرآن المجيد على أنّ من خصائصه أنّه كتاب يصلح بعد تلقّيه واستجماع آياته لأن يذكر دواما ، في الألسنة ، والقلوب ، والأذهان ، في كلّ زمان ومكان . ولا يقتصر الإعجاب به ، والانجذاب إليه ، والانتفاع بمضامينه على أزمان تلقّيه ، بل يظلّ كذلك دواما ، لأنّه لا يبلى على كثرة ترداد ذكره ولا يخلق ، بسبب حلاوة لفظه ، وكمال معانيه ، وعمق دلالاته التي تتجدّد كلّما تعمّق المتفكرون المتدبّرون المستنبطون بحثا عنها ، وبسبب كونه ميسّرا للذّكر ، وحقا وصدقا وهاديا للّتي هي أقوم ، وهذه أمور لا تبلى ولا تخلق مهما مرّت الدّهور ، وكرّت العصور ، ولا سيما إذا كانت من الكلّيّات العامّة الّتي تنطبق على أفراد لا تحصر ، ومتجدّدات من الأحداث والأشياء لا تقف عند حدّ . فما اشتمل من الكلام على الحقّ والصّدق والعمق والهداية للّتي هي أقوم ، مع كمال صياغته ، وحلاوة لفظه ، وتيسيره للذّكر ، يكون صالحا بعد تلقّيه لأن يذكر دواما ، على كرّ العصور ، وتتابع الدّهور ، للاستمتاع بحلاوته ، واستجلاء ما في أعماقه ، واستنباط ما في باطنه ، واكتشاف خفايا دلالاته ، وما يشتمل عليه من معاني ثرّة متجدّدة جليلة .