والحكمة ترجع إلى جذرين :
الجذر الأوّل : الحكمة في المعرفة ، وتكون بمطابقة العلم للواقع ، أو لأحسن صورة ممكنة تقترب من مطابقة ما هو الكمال في الشيء .
الجذر الثاني : الحكمة في السّلوك ، سواء أكان خلقا ، أم عملا فكريّا أو جسديّا ، أم تصرّفا في قول ، أو إفتاء ، أو حكم ، أو سياسة ، أو إدارة ، أو تجارة ، أو حرب ، أو غير ذلك .
وتكون الحكمة في السّلوك بممارسة الأحسن والأفضل دواما ، ممّا توجّه له الحكمة في المعرفة ، بحسب الاستطاعة ، وضمن حدودها .
* فمن الحكمة في المعرفة معرفة أحسن الوسائل لصيانة الأشياء ممّا يؤذيها أو يتلفها . ومعرفة أحسن الوسائل والخطط الحربيّة لتحقيق النصر والظفر . ومعرفة أحسن العلاج للشفاء من المرض . ومعرفة أحسن الطرق لإصلاح اقتصاد الأمّة وتنمية ثرواتها . ومعرفة وجوه الإنفاق الرابح الجالب للخير العاجل والآجل ، ومعرفة وجوه الإنفاق الخاسر الجالب للشرّ والضرّ العاجل والآجل ، ومعرفة الأحكام التي هي الأقرب إلى تحقيق كمال العدل والإنصاف . وهكذا بلا حصر .
* والحكمة في السّلوك تكون بتطبيق وممارسة ما تقتضيه الحكمة في المعرفة ، كممارسة أحسن الوسائل لصيانة الأشياء مما يؤذيها أو يتلفها ، وممارسة أحسن الوسائل والخطط الحربيّة لتحقيق النّصر والظفر ، وهكذا إلى سائر الأشياء .
فالحكيم في الطبّ يستخدم أحسن العلاج مما هو متاح له لشفاء مريضه .
وذو المال الحكيم ينفق من ماله في سبيل اللّه ليظفر بالأجر العظيم المضاعف عند ربّه أضعافا كثيرة ، ولا ينفق شيئا من ماله في معصية اللّه ، وإن جلب له لذّات عاجلات .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 454
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٥٤