أمّا قول اللّه عزّ وجلّ في هذا النصّ :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
( 97 ) .
فهو يدلّ على أنّ الّذين حقّت عليهم كلمة اللّه بأنّهم قد بلغوا آخر ظروف امتحانهم ، وتقلّبت عليهم كلّ صوره ووسائله ، فأصرّوا على الكفر ، وعلى معاندة الحقّ الذي دمغتهم حججه ، فلزمهم الحكم عليهم بالإدانة واستحقاف العقاب على الكفر ، هؤلاء لا يؤمنون مهما أمهلوا ، فإيمانهم ميؤوس منه ، بعد أن مرّوا في كلّ ظروف امتحانهم ، إقناعا وترغيبا وترهيبا ، ومعالجة تربويّة ، بكلّ ما يورث استجابة من لديه استعداد ما للإيمان .
إنّهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية تورث في العادة اقتناعا فكريّا ، أو تحرّك النفوس برغبة أو برهبة .
وإيمانهم لا يكون إلّا إذا رأوا بأعينهم وأحسّوا بأجسادهم العذاب الأليم .
لكنّ هذا الإيمان لا ينفعهم حينئذ ، لأنّ العذاب الأليم إنّما يأتي حينما تنتهي مدّة الامتحان ، ويأتي دور الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء .
* * *
عدم استجابة اللّه لما يقترحه الناس من آيات حسيّة
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ حكمته في عدم تلبيته طلب الناس الآيات الّتي يقترحونها على الرسول ، وهي أنّ تجربة الأمم السابقة قد أثبتت أنّ إجابة مطالبهم في إنزال الآيات على ما يقترحون ، لم تجعلهم يؤمنون ، بل كذّبوا بها ، فاقتضى قانون الابتلاء في الحياة الدّنيا ، إنهاء مدّة امتحانهم ، وإنزال الهلاك الشامل بهم ، إذا استجاب لطلبهم فلم يؤمنوا ، كما حصل لثمود قوم النبيّ الرسول صالح عليه السّلام .