فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 ) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 95 ) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
( 97 ) .
لقد خاطب اللّه رسوله بهذا النّصّ بحسب الظّاهر ، باعتباره أوّل المكلّفين المأمورين بالإيمان وبالإسلام لما أنزل اللّه ، والغرض أن يسمع هذا الخطاب الموجّه للرّسول غيره من المكلّفين ، ليعلم أنّ الرسول مكلّف أن يكون أوّل المؤمنين المسلمين ، وأنّه غير مستثنى من قانون العقاب والجزاء ، لو عصى أو كذّب ، لكنّه لا يفعل ذلك حتما ، لأنّ اللّه لم يصطفه لرسالته الخاتمة إلّا عالما بما يتحلّى به من كمال بشريّ .
ويعتبر هذا الخطاب من أروع الأساليب التربويّة وأحكمها للآخرين ، إذ يدركون به أنّ الرّسول مع ارتفاع منزلته عند ربّه ، وعلوّ مقامه وشأنه ، لم يرفع اللّه عنه موادّ التكاليف الموجّهة لغيره ، ولا قانون العقاب لو كذّب أو شكّ أو عصى .
فليعرف كلّ مكلّف موقعه بين يدي ربّه جلّ جلاله ، وأمام تكاليف الدّين الموجّهة لجميع المكلّفين على سواء .
إنّ رسول اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم لا يمكن أن يكون من الشاكّين ، ولا يمكن أن يكون من الّذين كذّبوا بآيات اللّه ، لكن إذا سمع الشّاكون والمكذّبون هذا الخطاب للرسول أيقنوا أنّ الأمر شامل وجدّ .
فإذا كان الرّسول نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم مع ارتفاع منزلته عند ربّه وعلوّ مقامه ، غير معفيّ من قضايا الإيمان والإسلام ، فما يكون شأن سائر الناس ؟ .
إنّه أسلوب يعطي الإقناع ، ويلقي الخوف في قلوب الشاكّين والمكذبين .