* قول اللّه تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
( 49 ) :
يتحدّث اللّه عزّ وجل في هذه الآية بضمير المتكلّم العظيم ، لأنّ أعمال الخلق المقدّر بغاية التقدير الحكيم ، لا يعملها إلّا الرّبّ الخالق العظيم الجليل ، الذي وسع كلّ شيء علما ، وهو على ما يشاء قدير .
أي : إنّا بكمال وعظمة صفات الرّبوبيّة قد خلقنا كلّ شيء بقدر ، أي :
بتحديد تمّ فيه تقدير كلّ صغير وكبير من ذات وصفات ، ومكان وجود وزمانه ، وكلّ ما يخضع لتقدير أجزائه .
إنّ التكوين لا بدّ أن يكون مسبوقا بعلم شامل ، وتقدير كامل ، لكلّ جزء من الأجزاء التي تحتاج تحديدا ، وبعده يتمّ القضاء ، وهو بمثابة القرار بالتكوين ، ثمّ يكون الخلق في المكان والزّمان المحدّدين ، بأمر التكوين الرّبّاني : « كن » فهو « يكون » على وقف المقادير التي قضاها اللّه عزّ وجلّ .
والقضيّة الّتي أبانتها هذه الآية لها صلة بكلّ ما جاء في السّورة مما يحتاج إلى تقدير حكيم ، من الرّبّ العليم الحكيم القدير ، حتّى عدد قطرات الماء التي نزلت من السماء أو نبعت من الأرض في طوفان نوح ، وحتّى عدد الحجارة الّتي أمطرها اللّه على قوم لوط ، وحتّى كلّ جزئيّة من جزئيّات الريح الّتي أهلك اللّه بها عادا ، وحتّى مقدار قوة الصيحة التي أهلك اللّه بها ثمود قوم الرسول صالح عليه السّلام .
وقد يخطر في بعض أذهان المتلقّين سؤال حول سحب المجرمين يوم الدّين في النار على وجوههم ، واضعين في تصوّرهم نظام الحياة الدّنيا ، ونظام مقاديرها ، فجاءت الإشارة بقول اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
( 49 ) إلى أنّ مقادير نظام يوم الدين ، مختلفة عن مقادير نظام الحياة الدنيا ، فلا يقاس ما في الآخرة على ما في الدنيا بالنّسبة إلى تحديد المقادير .