تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
أليس الّذي يعرّض نفسه لعقاب الرّبّ عزّ وجلّ في الدنيا ، وللخلود في النار دار العذاب يوم الدّين ، منغمسا في الضّلال والضياع والتخبّط على غير هدى ؟ ! أليس منغمس الفكر والرأي وأدوات الإدراك لديه في جنون ، يصرفه عن إدراك الحقّ . كلمة « سعر ، وسعر » بضمّ العين وإسكانها تأتي في اللّغة بمعنى : « الجنون » كما سبق بيانه في تدبّر الآية ( 24 ) من السورة . وبهذا المعنى فسّر أبو عليّ الفارسيّ عبارة
وَسُعُرٍ
في قول اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
( 47 ) وليست الكلمة جمع « سعير » بمعنى النار . أقول : ما قاله « أبو عليّ الفارسيّ » صحيح ، وهو الذي يناسب معنى الآية ، ولا سيما أنّ أمر عذابهم في الآخرة ، قد نصّ عليه في الآية التالية ، ومن أسلوب القرآن أن يضيف المعانيّ تأسيسا ، ولا يكرّرها تأكيدا . ويأتي السّعر في اللّغة بمنى العناء والعذاب ، ويأتي بمعنى الشّهوة مع الجوع . وهذان المعنيان يوافقان حال المجرمين في الدنيا ، فهم في عناء نفسيّ دائم ، وفي شهوة وجوع لمتاع الحياة الدّنيا ، وهم في عذاب نفسيّ تتواتر عليهم لفحات آلامه . فتحمل كلمة « سعر » في هذه الآية على كلّ هذه المعاني ، وهذه المعاني قد توجد مجتمعة عند بعض المجرمين ، وقد توجد موزّعة على أفرادهم ، بحسب حالة كلّ منهم .