تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
وشرّف اللّه عزّ وجلّ نوحا بقوله :
عَبْدَنا
فأبان بهذا أنّ نوحا عليه السّلام قد كان متحقّقا بعبوديّته الصّادقة لعظمة ربوبيّة اللّه جلّ جلاله . القضيّة الثّانية : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
[ وَقالُوا مَجْنُونٌ ]
أي : وقال قومه الذين كذبوه : هذا رجل مجنون ، مريض بداء الجنون . هذا الاتّهام بالجنون ذريعة يلجأ إليها كبراء كفّار قوم كلّ رسول ، حينما تدمغهم الحجج البرهانيّة ، ولا يجدون حججا صحيحة يدفعون بها حجج رسلهم العقليّة المنطقية ، ويحرصون على أن يستروا عجزهم عن أتباعهم من عامّة قومهم ، فيطلقون على رسولهم عبارة : مجنون . وتردّدها جماهيرهم ترديدا ببغاويّا ، ظانّين أنّ رسولهم الذي يدعوهم إلى الإيمان بربّهم ونبذ الشّركيّات الّتي كان عليها أباؤهم وأجدادهم ، والبعد عن السّلوكيّات الّتي فيها ظلم وعدوان ، وبغي وطغيان ، وفحش وخسران ، هو مجنون فعلا كما قال لهم قادتهم وأئمّتهم . والاتّهام بالجنون شتيمة يلجأ إليها كلّ مفتر مراوغ مجرم مخاصم بفجور ، لا يملك قدرة على مقارعة الحجّة بالحجّة المكافئة ، والمنطق العقليّ بمنطق عقليّ مثله . القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجل :
وَازْدُجِرَ
أي : ومنع من متابعة دعوته إلى ربّه ، وانتهر بعنف مصحوب بتهديد . وقد دلّ على تهديده بالقتل رجما بالحجارة ، قول اللّه عزّ وجل في سورة ( الشّعراء / 26 مصحف / 47 نزول ) في معرض الحديث عن نوح عليه السّلام وقومه :
قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ
( 116 ) : أي : لنرجمنّك أنت ومن آمن بك واتّبعك . وكان هذا الزّجر المصحوب بالتّهديد بالرجم ، في أواخر حياة نوح مع كفّار قومه ، قبل إهلاكهم بالغرق الذي جاءهم به الطوفان .