فالإعراض وسط بين المواجهة والتولّي .
وإذ انكشف أنّ المعنيّين من كبراء كفّار قريش قد وصلوا إلى حالة ميؤوس منها ، إبّان تنزيل السّورة ، كان من الحكمة أن يأمر اللّه رسوله بأن يتولّى عنهم ، لينصرف إلى غيرهم ، ويوجّه جهده واجتهاده لآخرين يرجى أن يوجد فيهم من يستجيب .
إنّ حال هؤلاء قد تصلّب إلى الحدّ الّذي صاروا فيه قوما ميؤوسا من استجابتهم لدعوة الحقّ ، فقد ظهر بالامتحان والتجربة ، أنّهم كفرة معاندون مكابرون مصرّون على باطلهم ، مهما ظهر لهم أنّ الحقّ هو ما أنت عليه يا محمّد ، لا ما هم عليه ، فمن الخير لك ، ومن توفير الجهد ، وعدم ضياع الوقت سدى ، في متابعة اجتذابهم إلى الإيمان والإسلام ، أن تتولّى عنهم مدبرا ، وتنصرف إلى مجاهدة غيرهم ممّن لم ينكشف بعد من أمرهم ما انكشف من أمر هؤلاء .
وهذا التولّي هو من الحكمة في سلوك الدّاعي إلى سبيل ربّه ، بالنسبة إلى من أدبر وانصرف مستغرقا في ضلال بعيد ، ومعاندا مكابرا .
ولمّا لم يكن هؤلاء قد وصلوا إلى حالة ميؤوس منها إبّان نزول سورة النجم / 53 مصحف / 23 نزول ) أمر اللّه رسوله بالإعراض فقط عمّن تولّى ، فقال اللّه له فيها :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا
( 29 ) .
أي : أعط عارضك فقط لمن أعطاك ظهره وتولّى ، أمّا من عاند وكابر وأظهر عداءه ومشاقّته ، ووصل إلى حالة تدبير المكايد ، فتولّ عنه .
ومن هذا التوجيه القرآنيّ : نستفيد أنّ موقف الداعي إلى سبيل ربّه ينبغي أن يكون مع غير المستجيبين لدعوته موقفا متوسّطا لا موقفا مكافئا ، يقابل فيه الموقف بنظيره تماما .