الحكمة في الأمور « 1 » : وضع الأشياء في مواضعها ، عملا ، أو فكرا ، أو معرفة ، أو اعتقادا ، أو غير ذلك من صور السّلوك الإرادي .
وتكون الحكمة باختيار أفضل الأشياء وأتقنها وأحسنها من كلّ ذلك ، لما تختار له .
واللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، أحكم الحاكمين ، وأحكم المختارين من البدائل الصالحة للاختيار ، وحكمته بالغة الغاية دواما في كلّ شيء .
والحكيم : هو الّذي يضع الأشياء في مواضعها ، ويختار أفضل الأشياء وأتقنها وأحسنها في الأمور المختلفة ، لما يعطي أحسن نتيجة .
والسّبب في كون عرض قصص الأوّلين ، للاتّعاظ والاعتبار بما جرى لهم بمقتضى سنن اللّه في عباده ، حكمة تربويّة بالغة ، أنّ معظم الناس يضعف عندهم تأثير الإقناع الفكريّ وحده ، ويضعف عندهم تأثير الترغيب والترهيب عن طريق الكلمة والوعد والوعيد فقط ، حتّى إذا شاهدوا العواقب في غيرهم كانت هذه المشاهدة للعواقب بالغة في التأثير بهم غاية ما يمكن أن يقدّمه توجيه تربويّ ، وليس فوقه من وسيلة إلّا إنزال العقاب الفعليّ ، أو تقديم الثواب الفعليّ ، لمن يراد إقناعه .
لكنّ هذا يتنافى مع حكمة الابتلاء لتحقيق الحساب ، وفصل القضاء ، والجزاء ، بعد انتهاء ظروفه كلّها ، وهو غير داخل في الخطّة أصلا .
فثبت أنّ عرض قصص المهلكين من أهل القرون الأولى القائمة شواهدها في آثار ديارهم حكمة بالغة حقّا ، أي : بالغة غاية ما يمكن اتّخاذه من وسائل إقناعيّة تربويّة ذات تأثير في النّفوس المستعدّة للتأثّر بالمخيفات .
أمّا العقوبات الجزئيّة التّربويّة الّتي ينزلها اللّه بالعصاة المعاندين ، دون
هامش
( 1 ) انظر الملحق الثالث من ملاحق سورة ( القمر ) حول الحكمة في القرآن المجيد .