شرح القضيّة الأولى :
إنّ جملة
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
خبر عن أمر غيبي بالنّسبة إلى المخاطبين ، وهم لا يستطيعون أن يدركوا ما يدلّ عليه هذا الخبر ، لا عن طريق العقل المجرّد ، ولا عن طريق الدّلائل العلميّة الكونيّة ، وظاهرات الأشياء وأماراتها .
لكنّ حادثة انشقاق القمر في السماء ، الّتي وقعت بحضور طالبي آية كبرى من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأجراها لهم بإشارة إلى القمر بأصبعه ، تشهد له بأنّه نبيّ اللّه ورسوله حقّا وصدقا .
إنّها قضيّة حسّيّة مشهودة ، ذات دلالة عقليّة ملزمة لذوي العقول المنصفة ، بأنّ من أجراها اللّه عزّ وجلّ له نبيّه ورسوله ، فما يخبر به عن اللّه لا بدّ أن يكون حقّا وصدقا ، ومنه الإخبار باقتراب السّاعة .
فذكر القضيّتين مقترنتين في صدر السّورة بيان يتضمّن الخبر والدّليل على صدقه ، وهذا الأسلوب القرآنيّ هو من روائع الإيجاز في الاستدلال القائم على عرض القضيّة ، وعرض ما يدلّ على صدقها ، مقترنين ، دون التصريح بأنّه دليل عليها . كمن يتحدّى المصارعين ويأتي إلى جدار لم يستطع إمالته عدد منهم ، فيدفعه بيده فيسقطه .
قضيّة الساعة واقترابها :
لقد أخفى اللّه عزّ وجلّ وقت قيام السّاعة عن كلّ خلقه ، فهي لا تأتي إلّا بغتة بصورة مفاجئة ، وقد ثقل علم وقت حدوثها في السّماوات والأرض .
وإذ أخفى اللّه عزّ وجل العلم بوقت قيام السّاعة عن كلّ خلقه ، حتّى عن الملائكة المقرّبين ، فإنّ معرفة قرب وقوعها أو بعده ، لا يمكن أن يدرك