تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
انتقاميّة ، توقعهم في ورطات يكونون فيها من الفاشلين ، أو الخائبين ، وإلزامهم بالصّبر ، انتظارا لما يقضيه اللّه من أمر ، فالوقت إبّان نزول السّورة لا يصحّ فيه القيام بمواجهات انتقاميّة ، إذ المسلمون يومئذ لا يملكون من سنن الأسباب القدرات الكافيات لمواجهة قوى مشركي مكة ، وخوض المسلمين حينئذ معارك قتالية معهم عمليّة انتحاريّة لم يأذن اللّه بها . كلمة
رُوَيْداً
هي مصغّر « إرواد » مصدر فعل « أرود يرود إروادا » وهو بمعنى « أمهل » . فكلمة
رُوَيْداً
بمعنى « أمهل » وهي مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره : أرود رويدا ، أي : أمهل إمهالا . تقول : رويدا بكرا ، أي : أمهل بكرا إمهالا . صغّروا المصدر بعد حذف زوائده ، وأقاموه مقام فعله . بهذه الآية تنتهي السورة :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
( 17 ) . فما أعجب هذا الإلزام بالصّبر على الكافرين ، وإنظارهم والترفّق بهم ، وعدم اتّخاذ وسائل عنف وشدّة وانتقام معهم ، على الرّغم من شدّة أذاهم ومعاداتهم للرسول ودعوته ، واضطهادهم لضعفاء المؤمنين . إنّ حكمة اللّه عزّ وجلّ قضت بأن لا تكون عمدة الأمّة الإسلاميّة على الخوارق والمعجزات ، وإنّما شاءت حكمته أن تكون عمدتهم على الأسباب الكونيّة الخاضعة لسنن اللّه الدّائمة ، المصحوبة بالمعونات المحدودات التي يجعلها اللّه للمؤمنين بمقتضى هذه السّنن ، وأعطى اللّه عزّ وجلّ الّذين آمنوا الوعد بأن يمدّهم بها . وقد تمّ تدبّر السّورة بما فتح اللّه به ، وبما أمدّ من معونة وتوفيق . * * *
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 285 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني