والغرض من هذا البيان طمأنة الرّسول والذين آمنوا به ، بأنّ اللّه وليّهم وناصرهم ومحبط مكايد أعدائهم ، وإلقاء الوهن والضّعف في قلوب أئمّة المشركين وأنصارهم وجنودهم ، إذ لا بدّ أن يؤثّر في أعماق قلوبهم أنّ اللّه خاذلهم ، ومحبط مكايدهم ، نظرا إلى أنّ كفرهم كفر عناديّ جحوديّ ، وليس كفر من يؤمن بأنّه على حقّ ، فقد علموا بأنّهم على باطل ، ولكنّهم مصرّون على باطلهم اتّباعا لأهوائهم وشهواتهم ، وإيثارا للحياة الدنيا وما فيها .
فهم إذن يدركون من هذه العبارة معنى التّهديد والوعيد بأنّهم مغلوبون .
ودلّ قول اللّه عزّ وجل :
وَأَكِيدُ كَيْداً
( 16 ) في مقابل :
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً
( 15 ) على أنّه جلّت حكمته يعامل عباده في حياة الابتلاء هذه التي يعيشونها ضمن قانون قدراتهم الممنوحات لهم في الحياة الدّنيا ، ولا يعاملهم بمقتضى قدرته الكليّة .
إنّ قدرة اللّه الكليّة ، لا تحتاج منه تبارك وتعالى أن يكيد كيدا كبيرا ، ضدّ كيد أعداء رسوله ودينه وأوليائه المؤمنين ، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : « كن » فهو « يكون » بأمر التكوين ، ولو كان أمر التكوين موجّها لخلق السّماوات والأرض ، أو لإزالتهما من الوجود .
لكنّ للّه عزّ وجلّ سننا في كونه يعامل عباده بمقتضاها ، وهم في حياة الابتلاء .
فيوهن كيد الكافرين ويحبطه بمقتضاها ، ويكيد لصالح أوليائه وأنصاره وأحبابه بمقتضاها ، وينصرهم بمقتضاها ، ولا يتدخّل بالخوارق العظمى إلّا نادرا ، وبقدر محدود .
وحين أيّد اللّه المؤمنين في غزوة بدر بألاف من الملائكة ، أبان جلّ جلاله أنّه لم يجعل ذلك إلّا بشرى لهم ، ولتطمئنّ قلوبهم به ، وليقطع طرفا